2008/11/18

الفقه قبل الأولويات

إسلام عبد التواب : بتاريخ 17 - 11 - 2008
اشتدت الحملة النقدية ضد العالم الجليل الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي إثر صيحته التي أصدرها بصفته عالمًا من علماء الأمة، بل هو من أكابر العلماء فيها، يحذر فيها من خطورة التشيع، وفساد عقائد الشيعة على الأمة الإسلامية، ويدق جرس الإنذار للمسلمين، بسبب محاولات الشيعة عمومًا، وإيران خاصة لنشر التشيع، واستخدام الدعم المالي غير المسبوق في تحقيق هذا الهدف، رغم دعوة الكثيرين من علماء السنة – وعلى رأسهم القرضاوي نفسه – للتقريب بين السنة والشيعة .
وقد كان الهجوم والنقد من الجهة الشيعية التي ترى أن هجوم الشيخ القرضاوي بما له من مكانة لدى المسلمين قد فضحها، وكشف بطلان دعاوى التقريب التي تروجها في العلانية، بينما هي في الواقع تستغل هذه الدعوى وانغماس العديد من علماء السنة فيها لكي تتسرب كسم الأفعى في جسد المسلمين.
أما الغريب فكان أن يأتي الهجوم – ولا أقول النقد – من بعض رموز السنة، وخاصة القريبين من الشيخ، في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومن بعض الحركات الإسلامية الكبرى في العالم، وكل ذلك تحت دعوى العمل على جمع الشمل، وأن الأمة في حاجة إلى الوحدة في مواجهة المخططات الصهيوينة والغربية، وأن فقه الأولويات يقتضي عدم إثارة الفتنة بين السنة والشيعة، وأن هذه القضايا (التبشير الشيعي) ينبغي أن تُناقَش بين علماء الجانبين في المؤتمرات والجلسات المغلقة، إلى آخر هذه الدعاوى.
وأمَّا أكثر الأسباب غرابة للهجوم على القرضاوي؛ فكان ما تفرَّد به الدكتور إبراهيم البيومي غانم في مقاله في جريدة الدستور المصرية، من أن نقد القرضاوي في تصريحاته يُبعد عن المسلمين السنة فكرة العصمة التي يدعيها الشيعة لأئمتهم، وهذا السبب بالتحديد يُظهِر أن كاتبه لم يجد مبررًا قويًّا يجعله يتصدى لنقد القرضاوي في صيحته، ويقف في الصف الساكت عن توضيح التهديدات الشيعية، فابتكر سببًا لا سبب له؛ فنحن – المسلمين أهل السُّنة – لا نؤمن بعصمة أحد من البشر إلا الأنبياء، ولسنا كالشيعة الذين شرَّعوا العصمة لأئمتهم ليجعلوهم في نفس مكانة الأنبياء تأسيًا بعقائد الفرس الذين أسَّسوا التشيع، ودعًَّموا بناءه، والذين كانوا يمجدون الأكاسرة.
إذن العصمة ليست واردة عند أهل السنة، والوقوف مع الشيخ الجليل القرضاوي في غيرته على الدين ليست مدعاة لادعاء العصمة، ولم يقل بهذا أحد حتى من الشيعة، ولكن ضعف موقف الناقد، وعدم وجود المبر جعله يسوق هذا السبب لتبرير انتقاداته.

الفقه قبل الأولويات:
أمَّا بقية الانتقادات للشيخ سواءً من الدكتور البيومي غانم، أو ممن وقفوا في نفس المربع، مثل الكاتب فهمي هويدي، والدكتور سليم العوَّا؛ فكلها تقريبًا ينصب على قضية أن فقه الأولويات يجعلنا نقدم الوحدة الصف بين السنة والشيعة في مواجهة المخططات الصهيوينة والأمريكية والغربية عمومًا على الاختلافات المذهبية، وهذه القضية التي أرى أنها لم تَغِبْ عن الشيخ القرضاوي؛ فهو أول من شرح باستفاضة فقه الأولويات، وألَّف فيه كتابًا ضافيًا منذ عدة سنوات، أرى أن الأولويات تحتاج بداية إلى فقه، قبل أن نخوض في ترتيبها، فقه لحقيقة مذهب التشيع، وفقه لتاريخه، وفقه للواقع الذي يتمدد فيه التشيع على حساب الإسلام الصحيح، وفقه لقضية: من الأعداء؟ ومن الأصدقاء؟

فقه حقيقة التشيع:
كل دارس للتاريخ الإسلامي من مصادره الصحيحة يعرف أن التشيع ذو نشأة يهودية فارسية، وعقائد الشيعة التي تخالف الإسسلام تمامًا جاءت من الفرس خاصة ومن اليهودية أيضًا، سواءً من فكرة عصمة الأئمة، أو فكرة الإمام الغائب، أو عقيدة البَدَاء التي يكفر المؤمن بها.
ويكفي المؤمن صادق الإيمان أن يقرأ ويسمع علماء الشيعة يسبون الصحابة الكرام، ويتهمونهم بالتواطؤ على كتمان الدين، ويسبون السيدة المطهرة عائشة رضي الله عنها في شرفها؛ تكذيبًا للقرآن الكريم الذي برَّأها، وكفرًا به، ويقف المسلم وقفةً مع هذا الموقف الشيعي من الصحابة لإدراك مغزاه، فيجد أن سبالشيعة للصحابة له هدف؛ فإذا كان هؤلاء هم صفوة أصحاب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذه هي زوجته بهذه الصفات التي ذكروها؛ إذا كان هؤلاء من اختارهم النبي لصحبته والزواج منهم؛ فهل يصلح كنبي؟
الإجابة التي يريد الشيعة توصيلها، هي: بالطبع لا، إذا كان لا يحسن اختيار أصحابه الذين ينقلون الدين من بعده، ولا يحسن اختيار زوجته؛ فلا يصلح كنبي.
وإذا كان هؤلاء هم من نقلوا الدين من بعده؛ فهل هناك ثقة فيما نقلوه من قرآن وسُنَّة؟ والإجابة المرادة: بالطبع لا.
هذه لفتة عابرة من عقائد التشيع المنتشر بين كل الفرق حتى الجعفرية الاثنا عشرية التي يدَّعون اعتدالها؛ ولهذا نجدهم يؤلفون سورًا مكذوبة يقولون: إن الصحابة حذفوها، كسورة الولاية الموجودة في عدد من كتب أئمتهم، فكيف يؤمن المسلم بإسلام هؤلاء؟!!
ثم إنك لا تستطيع أن تصدق من ينكر منهم إيمانه بالقرآن كما هو عندنا؛ لأن التَّقِيَّة أساس عقيدتهم، ومعنها السماح للشيعي بالكذب بدون حدود لأجل إخفاء عقيدته، والتمويه على الآخرين وخداعهم، ويجعلها علماؤهم تسعة أعشار الدين!!

فقه تاريخ التشيع:
وأنا هنا أقصد التاريخ السياسي له؛ فهؤلاء هم الذين خرجوا على خلفاء المسلمين من بني أمية الذين بايعهم المسلمون، وارتضوهم وكانوا صالحين، ولكن السيعة الكذابين لفقوا لهم في كتب التاريخ، وشوَّهوا حتى الصحابة منهم بالكذب والتزوير، وزوروا في أحداث صفين، وغيرها، ليُبَغِّضوا المسلمين فيهم.
والشيعة منهم القرامطة الذين هاجموا الكعبة، وقتلوا الحجاج، ونهبوا الحجر الأسود، وسرقوه إلى عاصمتهم (هجر) لمدة ثلاثة وعشرين عامًا.
والوزير الشيعي مؤيد الدين بن العلقمي هو الذي اتفق مع هولاكو على تسهيل اقتحام التتار لبغداد، وقتل الخليفة المستعصم، وعلماء المسلمين، والمجاهدين من قادة الجيش، ونهب أموال التجار، وسفك دماء مليون من المسلمين في بغداد، وانتهاك أعراض آلاف المسلمات الحرائر، مقابل أن يوليه السلطة، ويُشفي نفسه من المسلمين بإسقاط خلافتهم.
والشيعة الصفوية في إيران هم الذين أنهكوا الخلافة العثمانية السُّنية بالحرب تلو الحرب؛ لإشغالها عن الجهاد ضد الصليبيين في أوربا.
تاريخ أسود للشيعة والتشيع لا يخدعنا عنه التستر بالتقية، وإلغاء صفحة الماضي، ما دام الحاضرون يسيرون على درب السابقين.

فقه الواقع:
والدليل على سير الحاضرين من الشيعة على درب السابقين، والذي يرد على أقوال من هاجم صيحة الشيخ القرضاوي، هو ما يفعله الشيعة في العراق، فمن اذي مهَّد للأمريكان دخول العراق، وانتهاب ثرواته؟
ومن الذي احتمى بقوة الأمريكان من أجل تنفيذ مخططاته في الاستيلاء على السلطة في العراق؟
ومن الذي يقيم المذابح اللبشعة للمسلمين السُّنَّة كل يوم وليلة في العراق؟
من الذي يقتل المسلمين السنة على الهوية؟
من الذين يُفرِغون المدن السنية من أهلها بالقوة والقتل؟
من العلقمي الجديد الذي يُبرم الاتفاقات الخيانية التي تمكِّن للأمريكان في العراق، ونهب الكنوز التي فيه من نفط وخلافه؟
إن الإجابة على جميع الأسئلة السابقة هي: الشيعة هم الذين وراء كل تلك المصائب.
وبالإضافة إلى ذلك نجد أن أكثر الدول المتحالفة مع أمريكا، وتساعدها على بسط سيطرتها في العراق، مقابل أن تمكِّن لها أمريكا في اجتثاث السنة هي إيران التي يزعم قادتها ليل نهار أن أمريكا هي الشيطان الأكبر، ولكنه العداء المشترك للمسلمين الذي جمعهم، ومن ضمن بنود الصفقة أن تتغاضى أمريكا عن البرنامج النووي المزعوم ولا تتخذ خطوات جدية ضده رغم التهديدات الكثيرة التي أطلقتها لزوم التغطية الإعلامية.
إن فقه الواقع يبين لنا أن الشيعة يعتبرون المسلمين السنة أعداءً تاريخيين تتوارى بجانبهم أية عداوة، ويُخَصِّصون المليارات من أجل تشييع السنة، ولا ينفقون درهمًا من أجل نشر الإسلام بين غير المسلمين.
لقد بيَّن الشيخ القرضاوي أنه كثيرًا ما أثار قضايا التبشير الشيعي، وسب الصحابة مع علماء الشيعة ومراجعهم في اللقاءات الخاصة ومؤتمرات التقريب كخطوط حمراء يجب عدم تجاوزها، ولكنهم كانوا يتجاهلون الأمر، أو يستخدمون التقية؛ فيرضون الشيخ بحديث معسول، ثم يفعلون ما يبيتون، وبالتالي فقد انتفت حُجَّة من هاجموا الشيخ داعين إلى وحدة الصف.
وفقه الواقع يدفعنا إلى التأمل في كلام السيد علي صدر الدين البيانوني مراقب جماعة الإخوان المسلمين في سوريا الذي ذكر موافقته لكلام الشيخ القرضاوي، وذكر عديدًا من صور التعدي الشيعي على الإسلام والسنة في سوريا، ولعن بني أمية في دمشق عاصمة الأمويين. كما في الحوار الذي نقلته جريدة المصريون.
وبالإضافة إلى ذلك ينبغي الأخذ في الاعتبار ما نشرته الجريدة (المصريون) نقلاً عن صحيفة (الزمان العراقية) من موقف إخوان إيران الذين اتخذوا قرارًا بمقاطعة التنظيم الدولي للإخوان علي خلفية ما اعتبروه مساندة وولاء من التنظيم للنظام الايراني في أكثر من مناسبة؛ فإن هؤلاء هم أهل الشأن، وهم أهل الواقع والأولوية؛ فالنظام الشيعي في إيران يضطهد المسلمين، ويمنع بناء مسجد لهم في إيران، بينما أعدادهم تتجاوز الملايين الثلاثة عشر.
وفقه الواقع يلفت نظرنا إلى ما يستخدمه الشيعة في الدول العربية السُّنية، خاصة مصر وسوريا والسودان من استخدام للمال والنساء تحت مسمى زواج المتعة الذي حرَّمه الله ورسوله، وأحلَّه من دون الله ملالي الشيعة، ونحن نعلم ما يُحدثه المال والشهوة من تغيير في النفوس؛ فإذا بمصر السُّنية يظهر فيها مجلس أعلى لمدعي محبة آل البيت، وعدة جرائد شيعية تتحدث عن الصحابة بوقاحة من أجل خدمة أهداف المجوسية المعاصرة.
وفقه الواقع ينبِّهنا أن ما حدث في الحرب بين حزب الله الشيعي المدعوم من إيران ضد إسرائيل، ومبالغة البعض في الوقوف بجانب حزب الله دون تحوُّط أو اعتدال قد فتح باب الفتنة على مصراعيه أمام جماهير أهل السنة غير المحصَّنة عقائديًّا، حتى أصبحت صورة حسن نصر الله – المعروف بتعصبه ضد السنةن، وسبه لكبار الصحابة – معلقة في شرفات البيوت المصرية والعربية.

للإسلام لا للقرضاوي:
إنني أريد أن أقول: إن هذا المقال ليس في نصرة الشيخ القرضاوي، ولكنه لنصرة الإسلام، ودعوة علمائه للانتباه لما يظنونه إخوانًا لهم في العقيدة، بينما هم أول الطاعنين في عقيدة الإسلام، وأن استشهاد الشيخ القرضاوي، بقول الشاعر، علي بن زيد:
وإخـوان حسبـتـهم دروعًا فكانوها ولكن لــلأعادي
وخِلتهم ســــهامًا صائباتٍ فكانوها ولكن في فؤادي
لا ينطبق على الشيخ القرضاوي مع إخوانه بقدر ما ينطبق على الإسلام مع بعض أبنائه المخلصين الذي نسوا أن الفقه قبل ترتيب الأولويات؛ فوضعوا أيديهم في أيدي الخونة أعداء الدين، الذين لا يألون في مسلم إلاًّ ولا ذِمَّة؛ بينما فقه الأولويات يحتم عليهم أن يروا أن هؤلاء هم الأمريكان على الوجه الآخر من العملة، أو هم الصهاينة في انعكاس صورتهم في المرآة.
إن الإسلام يدعونا لمعرفة عدونا في مظاهره المختلفة، وأقنعته المتلونة، وعدم الانخداع، والتفرقة بين الصديق والعدو؛ ففي هذا سيبل النجاة بإذن الله ، أسأل الله تعالى الإخلاص في القول والعمل، وصلاح النية، ومغفرة الذنوب لي ولمن انتقدتهم، أو مدحتهم؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

باحث إسلامي

ialafty@hotmail.com
إرسال تعليق