2009/01/01

الرافضة في ميزان السنة

د. طارق عبد الحليم : بتاريخ 1 - 1 - 2009
أود، قبل أن أعقب على الرد الذي نشرته الدكتورة زينب عبد العزيز في جريدة الشعب، أن أتقدم اليها بالإعتذار عن شبهة تهوين لدورها أو لعقلها أو لدينها، قد تنشأ من جراء هجومي على منهج محدد، لا على شخص بعينه، منهج يحمل في طياته جرثومة الإنحراف عن السنة والسماح بتسرب البدعة والتمكين لها تحت شعار الوحدة وعدم الفرقة، في موضع لا يقصد اليه القرآن ولا يقصد اليه رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
كما أشير إلى أنني أنتهز هذه المساجلة لبيان موقف الإسلام من الرافضة المجوس دون أن تكون مشادة كلامية قد نهينا عن مثلها شرعاً. لهذا سأتجاوز عمّا لا غناء فيه من لمز فيّ عابت عليّ الدكتورة زينب مثله، كتشبيهي بتلامذة المدرسة الأمريكية! أو رميي بالإلتواء بالكلمات والمفاهيم، ووالله الذي لا إله إلا هو أن لا غرض لي إلا نصر السنة وردّ البدعة، وما تمنيت إلا أن يظهر الله هذا الرد على يد غيرى فيكفيني القول فيه أصلا، أتجاوز هذا إلى لبّ الأمر مما بّينته في تعقيبها.

1. قرأت المقال عدة مرات عملا بنصيحة الدكتورة زينب، ولكني مع الأسف لم أخرج منه إلا بما فهمته أول مرة، وهو دعوتها إلى اعتبار الخلافات بين السنة والرافضة باطل لا صحة له، ومن ثم التقارب بل التوحد مع الرافضة فالخلاف بين السنة والرافضة "ترهة" من الترهات، اي باطل من الأباطيل التي لا نصيب لها من الصحة. وأود هنا أن أبيّن أن ما ذكره بن منظور في معنى "ترهة" هو بالنص الذي لم تورده الدكتورة: "الترّهات: الأباطيل...وهي في الأصل الطرق الصغار المتشعبة عن الطريق الأعظم" لسان العرب ج1ص302 ، فالإستخدام الأصلي للكلمة هو الشعبة ولكن المعنى الإستعماليّ هو الأباطيل، وهو ما حَمَلْتُ عليه كلام الدكتورة زينب، إذ إن المعنى الإستعماليّ مُقدّمٌ على المعنى الأصلي، كما في كلمة صلاة وهي في الأصل الدعاء، ولكنها في الإستعمال تعني الركوع والسجود المعروف في صلاة المسلمين، أمر يعرفه كلّ دارس للغة العربية و أصول الفقه. ولم أقل في حديثى أن الترهة هي التفاهة كما ذكرت الدكتورة، وهذا للتصحيح.
2. أننا، أهل السنة، نؤمن بما ورد في القرآن الكريم من دعوة للوحدة ونبذ الخلاف، كما في الايات الكريمة التي أوردتها الدكتورة، ولكن يجب أن أبيّن هنا بعض قواعد الفهم المنهجيّ عند أهل السنة، وهى أن النصوص العامة المجملة لابد من حملها على ما يخصصها ويبينها من آيات أخرى أو أحاديث صحيحة من سنة أو سيرة، والآيات القرآنية الداعية إلى نبذ الخلاف موجهة أصلا إلى من أوجد الخلاف وانشق عن طريق السنة المستقيمة التي لا يزيغ عنها إلا هالك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة" رواه أحمد، وابن أبي الدنيا، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، وصححوه، ورواه غيرهم أيضاً، رَوَوْه عن عَوْفِ بن مالك، ومعاوية، وأبي الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وواثلة، وأبي أمامة، وغيرهم.
فهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم شارحا لمجمل القرآن، وقد أجمع علماؤنا أنهم يندرجون تحت الرافضة والجهمية والمعتزلة والمرجئة والخوارج بشعبهم. واإعتصام بحبل الله يكون إعتصاما مع أتباع منهجه وطريقته لا إعتصاما مع من كفّر الصحابة وامهات المؤمنين، وأؤكد على أنه يجب التفريق بين الفرق العقائدية، وبين المذاهب الفقهية وهي التي ما لا يصح فيها إختلاف وتفرق. وهل يا ترى قد غاب عن علماء المسلمين على مدى تاريخنا الإسلاميّ معنى هذه الايات الكريمة وهم يتصدون للرافضة ويحذرون أهل السنة من مذاهبهم الشركية ولعل الدكتورة قد اطلعت على بعض هذه المدونات الموسوعية ككتاب "منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية" لشيخ الإسلام بن تيمية فلعلها تدرك الخطر الأعظم في تصور أن الرافضة قد يعينون أهل السنة ضدّ الصليبيين أو الصهاينة، إلا بكلام من باب التقية يستدرجون به من لا يعرف مذاهبهم فينبرى للدفاع عنهم والدعوة إلى نصرتهم بغفلة وجهالة.
ثم أليس من الغريب حقا وما يجب أن يتفكر فيه كل من نحا هذا المنحى في نصرة الرافضة أن يتساءل كيف أنّ الصهاينة والصليبيين قد اكتفوا بالهجوم الكلاميّ على إيران المجوس، بينما سحقوا بالقوة الغاشمة أفغانستان والعراق! بعون من الرافضة كما أقروا على أنفسهم، وما دعواهم اليوم لخروج الأمريكان من العراق إلا ليتم لهم السيطرة عليها، وإلا فكيف لم يدعو يوما واحدا إلى خروج الأمريكان من أفغانستان!! أفيقوا وفقكم الله!
3. ثم ما ذكرته الدكتورة من تآمر الكنيسة والغرب بشكل عام ليس لدي إعتراض عليه كما قلت، ولكن أن يكون هذا باب لإغماض العين عن حقيقة مؤامرات الرافضة فهو، وأكرر مرة أخرى، تبسيط ساذج للأدوار التاريخية التي تلعبها القوى المعادية للإسلام بما فيها الرافضة.
4. ثم أعجب ما أذهلني في تعقيب الدكتورة هو قولها :" لو كانت كرامة السيدة عائشة وكرامة الصحابة، رضى الله عنهم جميعا، أهم وأكبر من كرامة قول الله سبحانه وتعالى، فأم المؤمنين والصحابة فى رحاب المولى، أما كلام الله عز وجل فى قرآنه الكريم فلا يضاهيه شيئا، وأمانة فى أعناقنا، علينا تكليف حمايته واستتبابه وليس العمل على إقتلاعه وضياعه"!! إستدلال عجيب مقلوب، فمتي تناقضت كرامة كلام الله سبحانه مع كرامة صحابة رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه المطهرات، اللهم إلا في نظر منحرف المنهج بدعيّ العقيدة، ولا أظن أن الدكتورة من هذا في شئ. وكيف أنّ كونهم في رحاب الله يقلل من حرمتهم وكرامتهم، عجيب عجيب! وقد قال تعالى:"ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيراً"، وأعود بالدكتورة إلى دراسة أصول الفقه حيث تقعد في القواعد الفقهية أنّ "الإعمال أولى من الإهمال"، وأن "الجمع أولى من الحذف" أو "الجمع بين أطراف الأدلة"، وبيان هذا أنّ الجمع بين الحفاظ على مقتضى آيات القرأن الكريم والحفاظ على مقام الصحابة وأمهات المؤمنين الذي نزل الوحي ذاته بتكريمهم، وبين الحفاظ على السنة التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيغ عنها إلا هالك، يتحقق بأن ننبذ الرافضة على سواء، وهو موقف علماء المسلمين على مدى تاريخنا كله، لا أن نزعم أن الحفاظ على المعنى المجمل للقرآن يستلزم نبذ حرمة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وأنهم الآن من الأموات!
5. ثم اسأل الدكتورة زينب، ما هو موقفها مما قال رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح عن الخوارج :" بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر الأقرع بن حابس الحنظلي وعيينة بن بدر الفزاري وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بنى كلاب وزيد الخير الطائي ثم أحد بنى نبهان قال فغضبت قريش فقالوا أيعطي صناديد نجد ويدعنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتىء الجبين محلوق الرأس فقال اتق الله يا محمد قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يطع الله إن عصيته أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني قال ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله يرون أنه خالد بن الوليد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من ضئضيء هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" رواه مسلم، أترى لم يراعى رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات الله الداعية إلى الوحدة ونبذ التفرق، وهو يتحدث عن قوم يقرؤون القرآن ويقيمون الصلاة! كيف أمر بقتالهم وقتلهم قتل عاد! الله الله في دين الله يا كتاب المسلمين ومفكريهم! عليكم بدراسة العقيدة والتعمق في أصولها قبل أن تدونوا آراءاً تحاسبون عليها يوم يقوم الأشهاد.
6. والله لا أعرف من هم الذين هللوا لي وكبروا، ولكني أعرف أن للحق قوته ونوره، ثم أوافق الدكتورة على أننا، أهل السنة التي أنتمى، وتنتمي الدكتورة، اليها، ننبذ الخلاف ونتوحد في وجه كلّ من أراد بالإسلام سوءاً سواء من الصهاينة أو الصليبيين أو ممن قرأ القرآن فلم يتجاوز حناجره.
7. النصر لا ولن يكون بالتغاضي عن السنة لصالح فهم منحرف لآيات الله لا يتقيد بقواعد الأصول في التفسير، ولا هو بالتقوّي بصاحب في الظاهر، عدو في الباطن لا يرعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وأهل بيته حرمة.
وأخيراً، فإنني على ثقة من أن ما نشره المستشار البشرى لن يكون كلمته الأخيرة في هذا الشأن فأنا اعلمه رجّاعاً إلى الحق بإذن الله تعالى

إرسال تعليق