2009/01/29

الأحواز الفردوس العربي المسروق -2

بقلم أيوب عودة / موقع المحرر العربي
التخاذل العربي جعل من عربستان لقمة سائغة والتآمر الدولي على العربوالإسلام أطلق يد الفرس
بالرغم من أهمية عربستان في تاريخ العرب القديم واتصالها الوثيق بالتاريخ المعاصر، إلا ان أحدا لم يتطرق إلى الحديث عن تلك الجريمة النكراء بحق أرض وشعب، دفعت بهما رياح التخاذل العربي والتآمر الدولي - إضافة إلى الأطماع الفارسية - إلى هاوية ضياع الأرض ومحاولات إلغاء القومية تحت ضربات المطرقة الفارسية التي لا ترحم، وسندان التآمر الدولي على العرب. الواقع يقول أن عربستان ما زالت تعاني من فقدان معالم المستقبل الواضحة، ما زال الضباب الفارسي يحجب الطريق، وما زال الشعب العربي هناك يناضل في سبيل الاستقلال، لا بل يبذل كل غال بغية التحرر من سيطرة فارسية ثقيلة، لا تسعى إلا إلى قطع كل الأوردة التي تغذي القلب العربي هناك في عربستان. الأحوازيون يؤمنون بحق تقرير المصير، وقطعا لا يعترفون بالسيطرة الفارسية وبالقمع الفارسي، ويعارضون سياسة إيران التي تسعى إلى عزل الأحوازيين عن العرب وعن العالم ؛ سياسة تهدد أي تحرك وطني يسعى إلى الاستقلال ويهدف إلى السيادة الحقيقية لشعب عربي على أرضه. شيوخ ومصاهرات وعشائرية ترفض الانصياع ازدهرت الأحواز بشكل لم تشهده من قبل، أيام إمارة الشيخ سلمان بن سلطان، (1667-1737) حيث اشتهر هذا الرجل بذكائه الشديد، فمال إلى تشجيع الزراعة والتجارة في كل المناطق التي كانت تنضوي تحت سلطانه، واستعان بالخبراء لكي يعزز أسطول الإمارة، فنافس بذلك الأسطول العثماني، وفرض الضرائب على السفن المارة في شمال الخليج دونما استثناء، وتمكن من إخضاع المنطقة بأسرها لسيطرته، فأصبحت الموانئ الممتدة من جزيرة عبادان إلى مدينة بوشهر وصولا إلى سواحل عمان والخليج العربي واقعة تحت نفوذه القوي. ذكاء هذا الرجل أقلق الأتراك والفرس معاً، والإنكليز أيضاً.. فشن كريم خان الحرب عليه، بإطلاقه حملة كبيرة لكسر شوكته، وضم تلك البلاد العربية إلى فارس، لكنه باء بالفشل، فعاد خائبا مستاءً من نفوذ عربي يتعاظم ويكبر وليس هناك من يقف بوجهه. وكذلك فعل الاتراك ولكنهم لم يوفقوا، عندها لجأوا ومعهم الفرس إلى محاربته متحالفين سنة 1765م. هدف كريم خان إلى تحقيق حلمه التوسعي الفارسي، فهو كان يسعى دائماً إلى ضم العراق أيضاً إلى فارس وليس عربستان فحسب، خصوصاً وأن العراق هو موطن أئمة الشيعة. وحاربه الاتراك لأنهم شعروا بالضعف أمامه، وخصوصاً أنه لم يقم بدفع الجزية كغيره من أمراء المنطقة من قبل، أما الإنكليز فشعروا بأن مصالحهم مهددة بشكل كبير في المنطقة. لكن الشيخ سلمان استطاع أن يشتت أساطيل المتحالفين، فلجأ الأتراك إلى مصالحته، بينما زحف كريم خان بجيش كبير، فلم يكتب له النجاح للمرة الثانية أيضاً، نظرا لوعورة الأرض، وللمقاومة العربية، فاضطر إلى الانسحاب.
شجاعة تملأ الدنيا
بعد كريم خان تفرغ الشيخ إلى الإنكليز، حيث وجه اليهم ضربته واستطاع ان يستولي على بعض سفنهم. في هذا الوقت بالذات وجه الإنكليز أنظارهم إلى هذه المنطقة، وفكروا في إدخالها ضمن دائرة نفوذهم... شجاعة الشيخ سلمان القيادية والعسكرية أذهلت الاعداء، الذين كتيرا ما أبدوا إعجابهم بمهارته القيادية والعسكرية، ويحكى أن شهرته ملأت الأقطار حتى وصلت إلى أوروبا.
صراع وذرائع فارسية
المنطقة العربية في الشرق شهدت صراعا عنيفا بين الفرس والعثمانيين، وسباقا على السيطرة قل نظيره، بدءاً من القرن السادس عشر وصولاً إلى القرن الثامن عشر، وكانت عربستان النقطة الجوهرية في هذا الصراع، في حين كان أمراؤها من العرب المحليين، يتمتعون باستقلال ذاتي في إماراتهم. وقد تعرضت لكثير من الهجمات الفارسية والعثمانية، أكثر من بقية الإمارات التي تجاورها لأنها تشكل الحد الفاصل بين الفرس والأتراك، وتشرف على الطريق المؤدية إلى العراق من إيران، لذلك طمعت بها كل القوى التوسعية في المنطقة، ذاك أن من يسيطر على منطقة الأحواز يملك التفوق على غيره، نظراً إلى أهميتها البالغة في الدفاع والهجوم.. الذريعة التي قدمها الفرس لتبرير محاولات ضم عربستان كانت تقول: إن شيوخ عربستان أقدموا على ضم أراض فارسية إلى نفوذهم، كما انهم وحسب الرواية الفارسية أيضا، لم يعلنوا استقلالهم عن إيران، وان بعض شيوخ عربستان أعلنوا الولاء المطلق للفرس فليس هناك ما يعيق ضم عربستان إلى الدولة الفارسية. لقد اتبع الفرس ولفترة طويلة سياسة خاصة في عربستان، طوال ذلك الصراع المرير عليها، فكانوا يمارسون على الحكام ضغوطا تدفع بهم إلى إعلان الولاء التام للشاه، ويعقب ذلك دخول الجيوش الفارسية إلى الأراضي العربية.. والحق ان عربستان حملت كل الأعباء وحدها؛ عبء الادعاء العثماني، والفارسي! فالفرس والاتراك اعتبروا أبناء عربستان مجرد رعايا، فما كان من شيوخ عربستان إلا أن استغلوا هذا الوضع المتفاقم، وهذه الخلافات، وسعوا إلى تأجيج الخلاف الفارسي العثماني بهدف المحافظة على استقلالهم، الأمر الذي مكنهم من السيطرة على كامل أراضيهم، وتوطيد نفوذهم في شط العرب، واحتلال الكثير من القرى والبساتين والجزر هناك، حيث وصلوا إلى البصرة فأخضعوا الملاحة في شط العرب وجعلوها في يدهم، ولكن فارس لم تستطع ممارسة نفوذها وسيطرتها الكاملة على عربستان، نظراً لنقص في إمكاناتها من ناحية القوة العسكرية آنذاك. رفض شيوخ عربستان على الدوام التنازل عن سيادتهم، ومن الملاحظ أيضاً أن علاقة الأقاليم كانت أوثق مع العراق، وخصوصاً البصرة، مما هي مع بلاد فارس، ولا ننسى أن العوامل الجغرافية كان لها الدور الكبير أيضاً في هذا التمازج الوثيق.
أبعد من الأحواز
العتبات الشيعية المقدسة وحلم ضمها الحماية للشيعة.. والهدم لمعالم السنّة تخبط دولي ومعاهدات... وغموض بعد معاهدة أرضروم الثانية قسمت عربستان إلى منطقتي نفوذ، الأولى تابعة للفرس والثانية خضعت للنفوذ العثماني، لكنما هذا التقسيم كان على أساس عشائري من الصعب أن يطبق على الأرض، الأمر الذي دفع بالدولة العثمانية إلى الاحتجاج. حيث نصت المعاهدة على أن العشائر المعترف بتبعيتها للفرس، يجب أن تخضع للدولة الفارسية، ولكن القبائل لم تتنازل عن سيادة أراضيها لفارس في يوم من الأيام، ولم تتصل بها لا من قريب ولا من بعيد، وخصوصاً من ناحيتي القومية واللغة. كما حصل مع بني كعب. قدمت الدولة العثمانية مذكرة للسفيرين البريطاني والروسي، جاء فيها أن فارس لا تملك حق السيطرة على أي قسم من الأراضي أو الموانئ الموجودة في إقليم عربستان، وأشارت المذكرة بأن فارس لا يمكنها ان تضع يدها أو أن تدعي حقوق الملكية في ما يخص الارض الواقعة على يمين أو يسار شط العرب. كان لهذا النزاع الاثر الكبير جدا على هذه المنطقة، وتميز بالنزعة المذهبية، حيث ألحقت عربستان بفارس نظرا لكونها منطقة شيعية، وضمت السليمانية وما إلى جوارها - وهي سنية - للدولة العثمانية. فالفرس كانوا حماة المذهب الشيعي، بينما عملوا على هدم معالم السنة، وأمروا بقتل جماعة من علمائهم، أما العثمانيون، فقد كانوا حماة المذهب السني، وكان رد فعلهم أقوى وأعنف إذ أمروا الشيعة الذين هم في مناطق نفوذهم، بضرورة الدخول في مذهب أهل السنة والجماعة ومن رفض كان نصيبه القتل، لذلك كان لا بد من وضع حد لهذه المجازر. ونظراً لأن عربستان كانت منطقة الاحتكاك بين الدولتين، أقترحت معاهدة أرضروم (على اسم مدينة تركية) تقسيمها لتخفيف حدة النزاع الطائفي والتوتر المذهبي، فسبب التقسيم كان الصراع المذهبي المقيت. واللافت أن هذه المعاهدة لم تستطع نزع فتيل الصراع في المنطقة، واستمر النزاع بعدها، واستمرت الصراعات في تصاعد مخيف.. كل ذلك لم يرض الفرس الذين لم يحلموا فقط بعربستان، إنما كان هدفهم أيضا العراق، لأنه يحمل أهمية دينية كبيرة بالنسبة إليهم، فهو الذي يحتوي العتبات الشيعية المقدسة
إرسال تعليق