2009/01/29

1 - الأحواز الفردوس العربي المسروق

بقلم أيوب عودة / موقع المحرر العربي
فلسطين ليست الأرض العربية الوحيدة التي أضاعها العرب، ولا الجولان والإسكندرون ! وليس اليهود الصهاينة هم فقط الذين أقدموا على انتزاع الهوية العربية من أرض وشعب عربيين ! فالأحواز أرض عربية تماماً كأي أرض عربية أخرى يضمها العالم العربي الممتد من المحيط إلى الخليج، وسكان الأحواز أيضاً من العرب، لا بل من القبائل العربية التي تعود جذورها إلى شجرة العائلة العربية الأصيلة. الأحواز ليست مجرد أرض، مرت عليها القبائل ثم رحلت، إنما هي حقيقة وتاريخ، ونضال، وواقع خانته ذاكرة العرب وسكت عنه الغرب كالساكت عن الحق... حقيقة تقول: هي أرض عربية لا تقل شأناً عن أرض المسجد الأقصى، وشعبها الذي انحدر من أعرق السلالات العربية، لا تختلف معاناته عن شعب فلسطين المحتلة وربما أكثر. الهجمة على العرب، على أرضهم وتاريخهم وثقافتهم، لم يبدأ بها الصهاينة المدعومون من الغرب، وإنما بدأها جيران العرب، الفرس الذين لم يتورعوا عن ضم الأحواز العربية إلى إيران الفارسية، ليس بهدف التوسع الجغرافي فحسب، وإنما بغية السيطرة على موارد تلك الأرض الغنية. ولم يكتفوا بذلك، إذ بادروا لمحو الهوية العربية، وإزالة كل معالمها وخطوطها الواضحة، و دمجها بشكل كامل في المجتمع الفارسي. وبمعنى آخر جعلها فارسية لا تمت بصلة إلى العرب والعروبة. ولعل الأخطر من كل ذلك بالنسبة إلى دولة الفرس، هو الاختباء خلف عباءة الدين الإسلامي الحنيف، والدعوة اليه، والتنديد بأعداء الإسلام، والوعد بإزالة إسرائيل من الوجود، بينما تستولي هي على مقدرات أرض وتستغل خيراتها وتمزق عروبتها، وليس من رادع يردعها أو يقف بوجه طموحها الكبير المتمثل بحلم إعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية، ورفع صولجان أباطرة ساسان في منطقة الشرق الأوسط. الشعب العربي الأحوازي الذي عانى ما عاناه من الظلم والقهر والضغوط المختلفة، يُساق للتخلي عن أصله وجذوره وماضيه ومستقبله، ومع ذلك ظل متماسكاً بوجه دولة تملك كل المقومات التي لا يملكها العربي الذي يكافح كي يتمسك بما تبقى لديه من وطن ومن هوية. الصراع بين العرب والفرس قديم، ولعله قفز إلى الواجهة بُعيد الدعوة الإسلامية وما تلاها من ارتقاء روحي وصل إليه العرب، تماشيا ًمع العقيدة السمحاء، التي لم تفرق بين أبيض وأسود ولا بين عربي وعجمي.. والتي دعت إلى التوحيد والى الإيمان مع كل ما يرافق الإيمان من فضائل روحية صافية، وأخلاقيات يتحتم على المؤمن أن يتحلى بها. الأحواز؛ عربستان أي أرض العرب ! لم يستوطن تلك المنطقة إلا العرب، وإلا القبائل العربية الأصيلة. فشعب الأحواز تحدر من القبائل العربية الأساسية، التي كانت موجودة في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده، والتي تعتبر بمثابة الجذور الأساسية للعرب، فهناك على هذه الرقعة المغتصبة تجد أمات القبائل العربية المتمسكة بأصولها والتي تأبى الانقياد إلى أي مغتصب او عابث بمصائر الشعوب وخرائط الدول، بيد أن إيران لم تلتفت إلى كل ذلك، بل راحت بكل ما تملكه من دهاء وقوة، تفرض عنصريتها على تلك الأرض العربية، مستعملة في ذلك كل الوسائل المتاحة أمامها، من تحريم استعمال اللغة العربية سواء في الكتابة أم في التحادث وما إلى ذلك، إضافة إلى منع المدارس من تعليم العربية، سعياً إلى إلغائها بشكل نهائي، وإحلال اللغة الفارسية مكانها كلغة رسمية لسكان الأحواز. ولم يتوقف الأمر عند ذلك فحسب، بل إن كل من يتجرأ على مخالفة أوامرها الواضحة، من جهة استعمال اللغة العربية، يتعرض لأقسى أنواع العقاب الذي قد يصل إلى السجن أو النفي خارج بلاده... ومن جهة أخرى أقدمت إيران على استغلال ثروات تلك الارض بشكل علني وسافر. فالمعروف عن الأحواز انها من أغنى البلدان في منطقة الشرق، حيث تحتوي أراضيها على كميات كبيرة جداً من النفط الخام، إضافة إلى الغاز الطبيعي، وصولاً إلى الثروات المائية والأنهار والينابيع العذبة، وخصوبة التربة الصالحة للزراعة. والسؤال : كيف استطاع الفرس أن يسيطروا على هذه المنطقة العربية التي لا يستهان بها لا من حيث المساحة، ولا من حيث السكان عدداً ونوعية؟ في لحظة من لحظات الغياب الدولي، وعندما كانت الصراعات على أشدها، والدول الكبيرة تلعب بحدود الدول الصغيرة وكأنها رقعة شطرنج، أقدمت إيران على ضم الأحواز واعتبارها ولاية من الدولة الفارسية. ونظراً إلى أن العالم آنذاك كان منشغلاً في محو معالم حرب عالمية (الأولى)، لم يرافق هذا الحدث أي استنكار دولي أو عربي، الأمر الذي شجع الدولة الفارسية على الاستمرار بسياستها العنصرية ضد الأحواز وشعب الأحواز العربي. وقد لا نفاجأ بذلك عندما نعرف أن طموح رضاخان بهلوي التوسعي كان يهدف إلى ضم البحرين أيضاً وأجزاء أخرى من الخليج ليحكم السيطرة الفارسية على الخليج العربي الذي يطلق عليه الفرس اسم الخليج الفارسي. إنها ملحمة ومعاناة شعب، أراد أن يتمسك بحقه المغتصب، وأرضه المسلوبة، وهويته التي لن يرضى عنها بديلا، معاناة شعب ووطن عربي، ككل الاوطان العربية الأخرى، ولكن لم يلق اهتماماً ولا عوناً من أحد، فبقي منسياً، مغيباً عن ساحة المطالبة بالحريات العامة وحقوق الإنسان. إن من بين كل قضايا العرب، تبرز قضية فلسطين المحتلة إلى الواجهة، ويسلط الضوء على ما تقوم به اسرائيل من اضطهاد للشعب العربي الفلسطيني هناك، ولكن أحداً لم يسلط الضوء لا في المحافل العربية ولا الدولية، على قضية تعد من أكبر القضايا العربية، وعلى أرض من اغنى البلاد العربية، وعلى شعب من أعرق الشعوب العربية وأصفاها. إن ما تقوم به إيران الفارسية، ليس إلا »خطة طريق نحو شرق أوسط جديد« لا يبقى فيه إلا أحفاد كسرى أنو شروان، أو من يؤيدهم ويدور في فلكهم. مر التاريخ كثيرا من هناك، ووقفت قوافله على تلك الأرض العربية، ونسج ممالك وحضارات، التهمتها نيران العنصرية الفارسية وخنقتها في المهد. الأحواز - عربستان لنعد إلى الوراء حيث صوت التاريخ الهادر يخبرنا عما كان.
الأرض السليب والخطوط المتشابكة:
المواجهة بين العروبة وأعدائها ما زالت مستمرة، فإذا كانت فلسطين هي القضية الأبرز لدى العرب، وإذا كانوا عقدوا العزم على تخليصها من نير الاحتلال الصهيوني، فالواجب القومي العربي يدعوهم إلى الجهاد أيضاً، في سبيل تحرير أرض عابقة بالعروبة، لا تقل أهمية عن أي أرض عربية أخرى، وهي فوق ذلك محتلة من »آخر« لا يمت إلى العرب بصلة، لا من حيث اللغة، ولا من حيث القومية أو الجذور. باستثناء رابط الدين الذي بات يستعمل كغطاء في سبيل تمرير قضايا لا تخدم إلا نوايا التوسع لدى الفرس، وما حدث ويحدث في تلك الأرض السليب.
الأحواز: عروبة تائهة وريحٌ فارسية عاتية البحث عن هوية:
سكان هذه الرقعة الجغرافية العربية هم من العرب الأقحاح، ويطلقون عليها اسم الأحواز، ويعتبرونها جزءاً لا يتجزأ من بلاد العرب. وإذا عدنا إلى أصل كلمة أحواز فهي من حوز وحاز بمعنى الحيازة أو التملك، والعرب يستعملون هذا اللفظ دلالة على التبعية الإدارية والسياسة أو العشائرية بالنسبة للقبائل أو الحواضر أو الإمارات، حيث يقال حوز فلان، فأحواز تميم وأحواز البصرة.... ويقال أيضا إن الاسم أطلق على هذه الرقعة من الأرض، منذ أيام فتح الإسكندر المقدوني. الفرس والعثمانيون أطلقوا اسم عربستان على منطقة الخليج العربي الشمالية، حيث تقطن القبائل العربية ودلتا نهر كارون (قارون) منذ القرن الثالث الميلادي، وعن اسم الأهواز يقول ياقوت الحموي في معجمه: (هو جمع لكلمة هوز وأصلها حوز العربية وذلك لانعدام حرف الحاء في لغة فارس ونطقها بالهاء، فالفرس لفظوا الأهواز بدلاً من الأحواز، وتلقفها العرب منهم بعد ذلك بحكم الكثرة، وربما لسهولة نطق حرف الهاء بدل الحاء). واللافت أن كلمة هوز ليس لها أي أصل في اللغة الفارسية.. بعد الفتح الإسلامي، وتحرير المناطق العربية من سلطة الدولة الساسانية، أطلق العرب على القطر اسمه العربي الصحيح: الأحواز، وميزوا حاضرة الأحواز عن عاصمته، فأطلقوا عليها اسم ( سوق الأحواز ) بيد أن اسم الأهواز ظل شائعا نظراً لسهولة استعماله، فسميت المنطقة في كتب التاريخ ودواوين الشعر وكتب الأدب تارة بالأحواز، وتارة أخرى بالأهواز، بينما بقي اسم أحواز البصرة اسماً للقطر منذ فتحه وتحريره، وإلحاقه بإمارة البصرة بعد تمصيرها عام 639 حتى زوال الدولة العباسية. في أوائل القرن السادس عشر الميلادي، تعرض الوطن العربي للغزو الأجنبي، فغزا الفرس العراق من الشرق وغزاه الأتراك العثمانيون من الشمال، كما غزا البرتغاليون ثم الهولنديون والبريطانيون الخليج، إلا أن أحدا منهم لم يكتب له النجاح بالتجذر هناك، حيث قوبلوا بمقاومة ضارية من جهتي شط العرب وشمال الخليج العربي، وفشلوا أكثر من مرة في احتلال تلك المنطقة، فيما احتلوا المناطق العربية الأخرى. في تلك الفترة المظلمة، المليئة بالصراعات والنزاعات، عاد الفرس والأتراك فأطلقوا من جديد اسم عربستان على الأحواز. عربستان تسمية حملت في مضامينها اعترافاً من أكبر الدول الاستعمارية حينذاك بقوة جديدة في منطقة الخليج استطاعت صد جيوشها عن أرضها وحطمت أساطيلها. هذه التسمية كانت وصفاً لسلطة عربية فعلية حافظت على استقلالها، ووقفت صامدة أمام أباطرة الفرس والعثمانيين وضد التوسع الاستعماري الغربي، وبرزت كدولة قوية، مستقلة على شواطئ الخليج العربي... لوقت طويل بقي اسم عربستان رمزاً للقوة والاستقلال، في حين استمرت الإمارات والحكومات الأحوازية تعقد المؤتمرات والمعاهدات، وتمنح الامتيازات، حتى بداية التوسع الفارسي نحو الجنوب عام 1870م إلى أن تم الاحتلال العسكري الفارسي لإمارة المحمرة، إحدى أقوى الإمارات الأحوازية عام 1925م فأعلنت حكومة فارس بعد هذا الاحتلال تغييرها لاسم عربستان، الذي أطلقته على هذا القطر العربي، فأبدلته بأسماء أخرى فارسية مثل ( خوزستان، بو شهر، وهرمزكان). أما كلمة خوزستان فأطلقها الفرس على الأحواز بعد معركة القادسية، التي كتبت مصير الامبراطورية الفارسية إلى الأبد، بسبب الهزيمة النكراء التي مني بها الجيش الفارسي على يد جيوش الفتح العربية، وما استبدال اسم عربستان باسم خوزستان (ومعناها أرض المواقع والحصون) سوى تصرف عنصري حاقد من قبل الفرس، الذين هدفوا إلى طمس حضارة عربية عريقة نشأت على ضفاف الخليج العربي الشرقية.
ذهب أسود... وتاريخ
لعبت عربستان دوراً بارزاً في تجارة تلك المنطقة، نظراً للموقع المميز الذي تحتله في الخليج العربي، وتسيطر سيطرة كاملة على موانئه، خصوصاً في زمن الدولة العباسية، وفي وقت لم تكن فيه قناة السويس قد شهدت النور بعد، بيد أن كل ذلك لم يكسبها أهمية كالتي اكتسبتها بعد الثورة الصناعية، إذ اتجهت أنظار العالم الحديث إليها، لكونها تمتلك مخزوناً هائلاً من النفط والغاز الطبيعي، الأمر الذي جعلها ميداناً للتنافس الدولي الخطير للحصول على النفط . إضافة إلى ذلك، كان لموقع الأحواز وإشرافها المباشر على سواحل الخليج العربي وجزره، أهمية لا تقل عن المكانة الاقتصادية التي تتمتع بها، فهي كما وصفها العسكريون، تحتل منطقة غاية في الأهمية من الناحية العسكرية. في عربستان الكثير من المدن العريقة التي تمتد جذورها إلى التاريخ القديم، والى جانبها ظهرت مدن جديدة، منها سياسية، ومنها ما استمد وجوده من وجود البترول. ولكن توزع الحضارة والمدن تركز على ضفاف الأنهار. ويقال أن العرب اطلقوا عليها اسم الأحواز لتمييزها عن باقي إقليم عربستان وهي تقع على نهر كارون في أواسط عربستان، بينما تقع إمارة المحمرة وهي اليوم خرمشهر، عند مصب نهر كارون في شط العرب وتبعد عن الأحواز زهاء 120كم، وهي ميناء تجاري مهم ارتبط بالبصرة ارتباطاً اقتصادياً واجتماعياً وثيقاً. شيدها يوسف بن مرداو عام 1812 على آثار مدينة قديمة كانت قائمة قبل ستة قرون، وجعلها وأتباعه سكنا له، وأطلقوا عليها اسم المحمرة، ثم أصبحت عاصمة للإمارة بعد استقلالها. وهناك عبادان وتسمى اليوم آبادان وهي أيضا من مدن عربستان المهمة، تقع إلى جنوب المحمرة، تستمد شهرتها من مينائها الذي يحوي أكبر مصفاة للنفط في الشرق الأوسط. عبادان قديمة وعريقة، زارها رحالة كثيرون، وكتبوا عنها، وقد عدت هذه المدينة ضمن مدن البصرة والعراق. ثم تأتي الحويزة التي أصبحت اليوم (دشت ميشان) وهي أيضاً من المدن العريقة في عربستان، اتخذتها دولة المشعشعين العرب عاصمة أيام المغول 1441، وكانت من قبل تابعة للعراق، وسكانها من القبائل العربية. وهناك (تستر) ويسميها الفرس شوشتر، وهي مشهورة بروعة بساتينها ومياهها وخيراتها، ومدينة السوس الأثرية، ومدينة الفلاحية - شاوكان - اليوم، حسب التسمية الفارسية، فقد كانت مركز أمراء عربستان قبل المحمرة.
عــــــــيـــــــــلام من فجر التاريخ الأول إلى تاريخ الشرق برمته
وقف العالم الدنماركي الرائد كارستن نيبور مستهزئاً، من قول بعض الجغرافيين بشأن الأحواز، على انها تابعة لبلاد فارس، لا بل قطعة منها، تخضع لملوك الفرس، وكان يعرف تماماً أن الفرس ما استطاعوا أن يسيطروا على البحر ولا أن يصبحوا أسياده، وأن العرب استقروا في هذا القطر قبل فتوحات الخلفاء، وامتلكوا جميع السواحل البحرية للإمبراطورية الفارسية من مصب الفرات إلى مصب نهر الأندوس تقريبا. ثم يتابع كارستن نيبور فيقول : »صحيح أن المستعمرات الواقعة على السواحل الفارسية لا تخص الجزيرة العربية ذاتها، ولكن بالنظر إلى أنها مستقلة عن بلاد فارس، ولأن لأهلها لسان العرب وعاداتهم، فقد عنيت بإيراد نبذة موجزة عنهم«. وأضاف: »يستحيل تحديد الوقت الذي أنشأ فيه العرب هذه المستعمرات على السواحل، وقد جاء في السير القديمة أنهم قاموا بإنشائها منذ عصور سلفت، وأن هذه المستعمرات العربية نشأت في عهد أول ملوك الفرس، فهناك تشابه بين عادات العرب القدماء، وعادات هؤلاء العرب«. وتابع في مكان آخر يقول: »وهم قوم يعشقون الحرية إلى درجة قصوى، شأنهم شأن أخوانهم في البادية، ويكاد يكون لكل بلد شيخها، وهو لا يتقاضى شيئاً من رعاياه، وإذا حدث ولم يرض القوم عن الشيخ الحاكم، انتخبوا من أسرته من يحل محله«. حاول نادر شاه تهجير العرب وطردهم إلى قزوين، وإحلال الفرس محلهم في الأحواز العربية، وساعده الأنكليز في ذلك لمدة ثلاث سنوات، باتفاق مبرم معهم، كما حاول جاهدا إبعاد العرب عن الساحل الشرقي للخليج العربي إلا أن مصرعه حال دون ذلك، ودامت سلطة العرب على الساحل الشرقي، وبقيت إماراتهم واستمر حكمهم. ثم جاء بعده كريم خان زند، فحاول أيضا القضاء عليهم بمساعدة البرتغاليين والإنكليز، غير أنه لم ينجح. فالعرب استطاعوا طوال فترات حكمهم في الأحواز، الثبات أمام النكبات التي اعترضتهم بجرأة وبسالة، ووقفوا كالطود الشامخ أمام قوى الفرس والعثمانيين، والأسطول البريطاني في الخليج العربي، في معركة حامية الوطيس، وقف فيها عرب عمان إلى جانب إخوانهم العرب. كانت الأحواز في فجر التاريخ تدعى عيلام ! الآثار الباقية تقول أن نشوء تلك الحضارة كان متزامناً مع الحضارة السومرية في أواسط الألفية الرابعة قبل الميلاد، حضارة دامت حتى العام 700 ق.م. أي حوالى ثلاثة الآف سنة، حيث أقامت خلالها علاقات ثقافية واجتماعية عميقة مع سائر حضارات بلاد ما بين النهرين السومرية والبابلية والآكادية والكلدانية وأخيرا الآشورية. أطلق عليها هذا الأسم نسبة إلى عيلام بن سام بن نوح عليه السلام، حيث اتخذ من هذا الإقليم مسكناً وموطناً له، فسميت المنطقة باسمه كما ورد اسمه في سفر دانيال حيث يقول : »فرأيت في الرؤيا وانا في شوشن القصر الذي في ولاية عيلام«. في كتابه »قصة الحضارة« يقول ويل ديورانت : »احترت في اختيار الحضارة التي أبدأ بها الكتاب، وكان قد وقع اختياري الأول على عيلام«. واضح أنه يتكلم على عيلام باعتبارها حضارة سامية، ويقول أيضا »اجتمع في مدينة السوس تاريخ الشرق القديم برمته«. وانطلاقاً من ذلك فإن الكثير من المؤرخين، ومنهم العرب اعتبروا أن عيلام أحد أولاد سام بن نوح. واللافت أن علاقة عيلام مع حضارات بلاد ما بين النهرين، لم تكن ودية، إنما كانت عرضة للصراعات بين الفينة والأخرى. وفيما كانت المملكة الآكادية تسير في طريق الضعف والانحلال، كانت قوة عيلام تزداد يوما بعد يوم، حتى استطاع العيلاميون اكتساح مملكة آكاد، واحتلال عاصمتها (أور) وأنشأوا المملكة العيلامية التي بسطت سلطانها على الأقوام السامية كافة التي كانت تستوطن إقليم الأحواز. وعند قيام المملكة البابلية في العراق سنة 2220ق.م بدأت النزاعات في ما بينها وبين المملكة العيلامية وكان هدف كل واحدة منهما اخضاع الأخرى لسلطانها، ولكن هذا النزاع انتهى لصالح المملكة البابلية، إذ بسطت سلطانها على الخليج العربي في بادئ الأمر ثم أخضعت المملكة العيلامية لسلطانها في عهد حمورابي سنة 2094ق.م. فيما بعد قامت المملكة الآشورية السامية على أنقاض المملكة البابلية، فقضت على المملكة العيلامية التي كانت قد استردت وجودها المستقل في فترة سيطرة مملكة بابل، ولكن هذا الاستقلال لم يدم طويلاً، ذاك أن الآشوريين أقدموا على احتلال عاصمتها دور أونتاش (جغارزنبيل) سنة 646ق.م كما أسروا سكانها واستولوا على ذهبها، بيد أن كل ذلك لم يؤد إلى انقراض مملكة عيلام كما يتصور بعض المؤرخين، حيث أن الآشوريين لم يحكموا الأحواز طويلا، فقد استطاع الكلدانيون والميديون القضاء على المملكة الآشورية، وتقسيم أراضيها، فسيطر الميديون على القسم الشمالي من المملكة، وسيطر الكلدانيون على القسم الجنوبي الذي كان يشتمل على إقليم الأحواز. يقول هيرودث: »كافة الشعوب التي أخضعها كورش قد اعترفت بسلطان داريوس ما عدا العرب البابليين الذين لم يخضعوا لسلطة فارس وإنما كانوا أحلافها«... واستمر الأمر على هذا المنوال إلى أن دمرت جيوش الإسكندر المقدوني الجيش الأخميني في معركة (أن أبيلا عام 331ق.م.) بعد موت الإسكندر الكبير، وتقسيم امبراطوريته بين قادة جيشه خضع إقليم الأحواز لحكم الأسرة السلوقية منذ العام 311ق.م. وجاء البارثيون فاستطاعوا القضاء على الأسرة السلوقية عام 126ق.م وأسقطوها ثم جعلوا طيسفون عاصمة لها، وبسطوا سلطانهم على كافة الأقاليم التي خضعت لحكم السلوقيين، ومنها إقليم الأحواز، ولكن سلطان البارثية اكتفى بإلزام حكام الأقاليم التي بسط سلطانه عليها، بدفع ضريبة سنوية للملك البارثي مقابل تمتعهم باستقلال ذاتي.
تفوق حضاري أوقد نار الأطماع ميسان حضارة صنعت حضارات:
من الحضارات التي قامت في الأحواز خلال هذا العهد، حضارة ميسان (ميسن) وكان تاريخ نشأتها حوالى عام 129ق.م، واستمرت إلى 225ق.م. وقد استطاع الباحثون العثور على أسماء ثلاثة وعشرين ملكاً من ملوك تلك الحضارة الذين حكموا ثلاثة قرون ونصف القرن، وكانت حدود تلك الإمارة بحسب الدراسات التي أجريت في هذا المجال: من الغرب نهرا دجلة والفرات، من الشرق نهر كارون، وكان أول ملوكها في تلك المرحلة هو الملك العربي الذي يدعى هيسباوسينس، وكان مركز الحكومة يسمى الكرخة أو خاركاس (مدينة المحمرة الراهنة) أما ميناء هذه المدينة فكان يعد من أهم الموانئ التجارية آنذاك؟ اليمائيس: الأمس - اليوم والمفارقة! هي الحضارة الأخرى التي نشأت في التاريخ نفسه في شرقي نهر كارون في الأحواز، وكانت عاصمتها دورق، واستمرت تنافس حضارة ميسان لمئات السنين، وفيما كانت تتخذ ميسان من جزيرة (خرج) مركزا لتجارتها البحرية، اتخذت اليمائيس جزيرة (قيس) للغرض نفسه.. يذكر التاريخ اسم بعض ملوكها مثل ملك أد وملك الأحواز وغيرهما.. ميسان واليمائيس تزامن وجودهما مع ظهور السيد المسيح، إذ أرسل رسلا لدعوة الناس فيهما إلى المسيحية آنذاك، في حين كانت الديانة الصابئية هي الرائجة. وبالرغم من كون الأسرة الساسانية قضت على حضارتي ميسان واليمائيس إلا أنها لم تبسط سيطرتها على إقليم الأحواز إلا في سنة 241 ق.م. المملكة الساسانية أيضاً لم تستطع إخضاع إقليم الأحواز لها إخضاعا تاما بسبب الثورات المستمرة فيه، الأمر الذي كان يفرض عليها توجهات عسكرية لمواجهة هذه الثورات، حيث هزم الجيش الساساني على يد العرب في الأحواز، وقتل ملكهم في تلك المعركة المسماة (نرسي أبو شابور ذو الأكتاف ) وكانت آخر الحملات تلك التي قادها سابور الثاني سنة 310 م، اقتنعت بعدها المملكة الساسانية باستحالة إخضاع الساميين العرب لسيطرتها، فسمحت لهم انشاء إمارات تتمتع باستقلال ذاتي، مقابل دفع ضريبة سنوية للملك الساساني. هذا غيض من فيض تاريخ لا ينضب، ومن طموح شعب وقف بوجه الفتن التي لا تهدف إلا إلى محوه وتفريس هويته العربية، وجعله تابعاً ذليلاً بعد أن كان سيداً كريماً، فمن هم الأحوازيون، وفي أي تربة نمت جذورهم وترعرعت أغصانهم؟
إرسال تعليق