2009/01/29

الأحواز الفردوس العربي المسروق -4

بقلم أيوب عودة / موقع المحرر العربي
ليت الزمان يعود يوماً!
إمارة بني أسد العربية: كانت في شمال الأحواز منذ القدم ولا زالت، تستوطن الحويزة. يعود بنو أسد بنسبهم إلى ربيعة بن مدركة بن أياس بن مضر بن نزار، هذه القبيلة ذات بطون كثيرة. استطاع أبناؤها أن يؤسسوا إمارتهم أيام ضعف الدولة العربية العباسية، عندما تشكلت كيانات عديدة ضمن الدولة العباسية، حيث أسسوا إمارة مستقلة اتخذت مدينة الأحواز عاصمة لها. كانت زعامة هذه الإمارة لبني ناشرة بن نصر، وهم فخذ من قبيلة بني أسد، انشقت هذه القبيلة فيما بعد إلى شطرين، وكانت تملك نفوذا واسعاً وتقاليدها وأعرافها عربية متينة، لكنها وبالرغم من نفوذها الذي تخطى الدائرة التي رسمتها لها الدولة البويهية في علاقاتها الخارجية، وزيادة على ما لديها من نزعة نحو الاستقلال، فقد حدث سوء تفاهم بينها وبين الدولة التي تحكم العالم الإسلامي باسم الخليفة العباسي، تطور إلى نزاع مسلح رهيب وقعت بسببه حرب دامية سنة 1012م، وكان أبرز أهداف هذه الحرب الاستيلاء على جزيرة الدبيسية وجعلها تحت تصرف النفوذ البويهي المباشر. أدت تلك الحروب إلى نزوح الأمير علي بن مزيد الأسدي إلى الحلة في بابل، لكن إمارة بني أسد بقيت قائمة، إلا أن ضعفها بعد حين، هيأ الظروف لقيام إمارات أخرى في المنطقة منها إمارة بني عامر آل كثير، والخفاجة. بعد ذلك خضعت المنطقة لحكم المغول لغاية العام 844 حتى قيام الدولة المشعشعية. حيث ساعد بنو أسد محمد المشعشعي وساندوه في دعوته. خليج تميمي! إمارة بني تميم هم من أفخاذ قبيلة تميم العربية، كان يحكمون في التميمية، ثم امتدت سيطرتهم على جميع المناطق المجاورة مثل الدورق، الخلفية، معشور، رامز. يعود تاريخ هذه الإمارة في الأحواز إلى قرون خلت، وتعتبر مدينتا التميمية والخلفية موطناً قديماً لبني تميم. كان مركز حكمهم الأول في التميمية، وبعد قيام الدولة المشعشية أعطى السلطان محسن المشعشعي منطقة الدورق الغنية للأمير عبد التميمي بعد ما استحسن كرم التميمي، كما قام ذلك الأمير ببناء سور حول المدينة وجعلها عاصمة للإمارة بعد ذلك. من بعده تسلّم ابنه الحكم. وهكذا استمر حكمهم إلى أن عاد حكم مدينة الدورق لأمراء المشعشعين. لكنما الفرس استولوا على الدورق وبقى التنافس عليها بين تميم وبني خالد، إلى أن استقر الحكم فيها لبني خالد بعد هجوم نادر شاه. يقول الرحالة نيبور: »كان حرياً أن تطلق على الخليج تسمية بني تميم بسبب كثافة عددهم السكاني الممتد والمنتشر في ضفتي الخليج« يقدر عدد سكان بني تميم في شمال غربي الأحواز بحوالى 70 الف أسرة، تنتمي عشائر وأسر كثيرة إلى بني تميم، ويوجد نهر هناك يطلق عليه اسم نهر تميم. المشعشعين: مؤسس الإمارة المشعشعية هو محمد بن فلاح وينتسب إلى الشرفا الموسوية الحسينية الذين يلقبون بالموالي. امتدت سلطة المشعشعين في الفترة الأولى لتشمل كل الأحواز تقريباً إضافة إلى مناطق واسعة لتصل ميناء ابو حرون مروراً بمنطقة ( أبو شهر ) والجزر، ومناطق واسعة من العراق والجزيرة العربية. صك الملا محسن النقود باسمه في مدن دسبول وتستر والحلة. كان مركز هذه الإمارة مدينة الحويزة، وقد عرفت في عهد الصفويين بإمارة عربستان، وسقطت عام 1903 بيد الشيخ خزعل الكعبي بعد أن دامت حوالى خمسة قرون. ينقسم حكم المشعشعين إلى ثلاث فترات: الأولى كانوا مستقلين، ويلقبون بالسلاطين، الثانية : كانوا امراء عربستان، الثالثة: كانوا موالي الحويزة، وهم محمد بن فلاح وعلي بن محمد، السلطان محسن بن محمد، علي وأيوب ولدا محسن ابن محمد، مولى فلاح بن محسن، وصولاً إلى المولى مطلب بن محمد بن فرج الله.. أما في الفترة الأخيرة من حكم المشعشعين التي امتدت إلى عام 1903 فقد كان حكمهم يقتصر على منطقة لواء الحويزة ( سهل ميسان) حيث قضى الشيخ خزعل نهائياً على حكمهم. وبعد مرور أكثر من ستة قرون على نهضة سعيد محمد المشعشعي فإن هناك أكثر من 300 ألف أحوازي ينسبون أنفسهم إلى سلالته منقسمين إلى عشرات العشائر والبيوت.
فشل الفرس.. فغدروا
أشراف مكة.. صنعوا إمارة كعب كعب آل ناصر هاجر الشيخ محمد بن علي بن يحيى السبيعي الذي كان يرأس قبيلته في مكة المكرمة مع عشيرته إلى البصرة، بعد خلاف وقع بينه وبين أشراف مكة حيث سكنوا هناك في منطقة تدعى سدة الهندية، وهو يعتبر الجد الأكبر لأمراء بني كعب، بعد ذلك انتقلوا إلى مناطق الشيخ صقر التميمي في نهر الهميلي في الأحواز، وبعد وفاة الشيخ محمد بن علي ترأس القبيلة الشيخ ناصر بن محمد، ثم وبعد خلاف أيضاً نشأ بينهم وبين بني تميم، هاجر بنو كعب إلى أطراف منطقة كوت عبد الله التي سميت باسم الناصرية نسبة إلى الشيخ ناصر، وليس كما يقال نسبة إلى ناصر الدين شاه القاجار. أسس ناصر بن محمد الكعبي هذه الإمارة شمالي الخليج وشمال غربي الأحواز، وجعل مركز حكمه في مدينة القبان ثم نقل الشيخ سلمان العاصمة إلى الفلاحية (وقد سماها الفرس بعد ذلك شاكان) التي بناها بالقرب من الدورق. هذه الإمارة كانت تعد من أهم الإمارات في التجارة وفي الإعمار وكان من أشهر زعمائها الشيخ سلمان الكعبي والشيخ تامر، وقد توسعا في الإعمار والبناء في نطاق جغرافيتهم. من أبرز ما يذكر عن هذه الإمارة اتحادها مع إمارة آل زعابي للوقوف بوجه العدو المشترك أكان فارسياً أم تركياً أم غير ذلك. من أمراء كعب آل ناصر: الشيخ ناصر بن محمد، الشيخ بندر الذي حكم مدة طويلة، الشيخ خزعل، وكان نفوذهم يشمل كل المناطق الغربية في الأحواز، واستطاعت أن تضم منطقة الحويزة، وتقضي على حكم المشعشعين. احتلت الدولة الفارسية الأحواز على يد رضا خان بهلوي، فبعد فشل الفرس بتحقيق نصر عسكري على الشيخ خزعل غدروا به بمساعدة الأنكليز وقاموا باختطافه من على متن يخته، في العام 1925 حيث نقل إلى طهران وسجن هناك مدة 11 عاما إلى ان قتل على يد رئيس شرطة طهران بأمر من رضاخان بهلوي. إمارة آل كثير آل كثير قبيلة عربية تسكن في الشمال الغربي للأحواز، وتعود جذورها إلى بني غزية بن أبي غنم بن حارث بن ثوب بن معن بن عثود بن حارثة بن لام. تواجد أفرادها في نجد وأطراف الرياض ومنهم من استوطن حضرموت في جنوب اليمن. أول شيوخهم في الأحواز كان الشيخ خنيفر خلال الأعوام 1038 ـــ 996 للهجرة، ومن بعده انقسمت آل كثير إلى قسمين هما: بيت سعد بن خنيفر، وبيت كريم بن ناصر بن خنيفر. ومن أبرز شيوخهم الشيخ فارس وابنه الشيخ سعد الذي حارب الأمير مُلاّ المشعشعي ووسع حكمه ليشمل شرق نهر كارون، وصولاً إلى الحدود الجبلية مع البختيارية. ثم حكم الشيخ ناصر سنة 1165 للهجرة، من بعد أن أبعد الشيخ سعد من الحكم. وهكذا استولى على دسبول وتستر وكل شمال غربي الأحواز. من أبرز شيوخ آل كثير: الشيخ حداد الذي اتخذ لنفسه لقب الملك وصك العملة باسمه، وجعل من قلعة السلاسل مركزاً لحكمه في تستر، بيد أنه هزم أمام الجيش المشعشعي الذي كان بقيادة ملا عبدالله، أسر ونقل إلى الحويزة، إلا أنه استطاع الخروج من السجن ليعود إلى الحكم من جديد، لكنه ما لبث أن أسر من جديد في معركة مع الفرس كتبت له الهزيمة فيها أيضاً. وهكذا فقدت إمارة آل كثير استقلالها الخارجي. ثم حكم ابنه الشيخ فرحان إلى أن أرسل له الشيخ خزعل آل مرداو الكعبي جيشاً كبيراً، وبعد معارك عدة مالت الدفة فيها لصالح الشيخ خزعل قبل آل كثير الصلح، وخضعت الإمارة لنفوذ حكم آل مرداو وتزوج الشيخ خزعل ابنة الشيخ فرحان ليكسب منه الولاء المطلق، انطلاقاً من علاقة المصاهرة. هذه الأحداث، هذا الشريط من الوقائع التي مرت في ذاكرة الزمان، هي الإثبات الأكيد، والدليل القاطع على عروبة هذه الأرض منذ فجر التاريخ وحتى اليوم. وهناك روايات كثيرة عن بطولات الشعب الأحوازي، تعبر عن تمسك هذا الشعب بأرض شهدت انطلاقته وكانت أمينة عليه . لم يذكر عن الأحوازيين أي تخاذل في الدفاع عن أرضهم، وكثيراً ما تغنى التاريخ ببطولاتهم، لكنما الفرس أدخلوا كل ذلك في عتمة لا آخر لها.
بطولات ... أسدل الفرس عليها الستار سيدة أحوازية تلحق الهزيمة بجيوش مدججة.. بالأساطيل
يذكر التاريخ بأن المرأة الأحوازية كان لها دورها الكبير أيضاً في الدفاع عن الوطن؛ ففي العام 1765 أقدمت الدول الثلاث بريطانيا، تركيا، ومعهم الفرس على غزو إمارة كعب في الفلاحية، حيث أرسلت بريطانيا أسطولاً بحرياً كبيراً، وأرسل الأتراك مجموعة برية كبيرة، تألف الجيش الفارسي من عدد كبير من الجنود ويقال إنه كان أكثر من عشرين ألف جندي. عندما رأى الكعبيون، وكان على رأسهم الشيخ سلمان الكعبي، هذه القوى الكبيرة التي تهاجمهم، أيقنوا بأنهم لن يتمكنوا من ردع الغزاة ودحرهم، ففضلوا التحصن بالفلاحية، حيث طبيعة الأرض هناك بمثابة رادع طبيعي لكل الغزاة، فالهور والمستنقعات كثيرة، وليس من السهولة بمكان المرور بها. بعد حصار دام طويلاً، نفذت المؤن لدى الكعبيين، ولم يستطع شيوخ بني كعب ايجاد الحلول الناجعة لفك هذا الحصار الثلاثي عن إمارة بني كعب. وفي أحد الأيام دخلت عليهم ابنة الشيخ سلمان وهي تلبس زياً عسكرياً، وتحمل السلاح بيدها وقالت للحضور: هذا وطنكم، فكيف تجلسون وترتضون أن يدوس الإنكليز على شرفكم وعرضكم؟ إجلسوا إن أردتم، أما أنا فذاهبة إلى الحرب مع الطغاة.... كلام إبنة الشيخ فجر بركان الحماسة لدى أهلها ومواطنيها، فطلبوا من الشيخ سلمان أن يسمح لهم بمواجهة الأعداء. وفي الليلة ذاتها هاجم الأحوازيون الأعداء بشراسة وقوة فهزموا الجيوش المعادية وأحرقوا سفن الأسطول الأنكليزي وغنموا غنائم كثيرة. إضافة إلى هذه الإمارات التي ازدهرت في الأحواز، شهدت المنطقة عدداً من الحكومات والدول أيضاً. من قصص البطولة.. علي كمال الأحوازي: ومن البطولات الأحوازية الاخرى قصة حقيقية بطلها علي كمال الأحوازي، وهو عربي من أهالي نخيلو في جنوب شرق الأحواز، بطولات هذا الرجل تعتبر من أبرز الصفحات المشرقة في السماء الأحوازية، بيد أنها كغيرها بقيت طي الكتمان، لأن الفرس أرادوا ذلك. بعدما رأى علي كمال بطش الفرس بالعرب، وخصوصاً في المناطق التي سلبها الاعاجم من العرب، حاول هذا البطل الأحوازي توحيد الصف العربي، وسعى إلى ذلك بكل ما يملكه من حسن تدبير. قام علي كمال بتحصين أقرب ميناء، وخبأ السفن وراء الرمال وتحصن بشكل جيد، وعندما هاجمه الفرس، صد هو ورجاله هجمات الفرس الذين كانوا يملكون أسلحة حديثة ومتطورة في ذلك الحين، إضافة إلى أعداد هائلة من الرجال المدربين، بينما علي كمال لم يكن يملك هو ورجاله القلائل سوى البنادق الخفيفة، ومع ذلك تمكن من صد الجيش الفارسي المهاجم، واصيب علي كمال بجروح كبيرة ما اضطره إلى التراج. تراجع علي كمال لكنه ظل البطل الذي لم يستطع الفرس إخضاعه، وبقي في الاذهان ذلك الجندي الذي لا يتخلى ابدا عن وطنه...
إرسال تعليق