2009/02/25

معارضة البحرين الطائفية في الملف الأمريكي الإيراني / مهنا الحبيل

المختصر

خلال الأسابيع القليلة الماضية تصاعدت قضية المعارضة الطائفية في البحرين، فبعد وفد جمعية الوفاق الشيعية لواشنطن، واستقبالهم في الكونجرس، ولقاءاتهم مع أعضائه للتفاوض على تَسَلُّمِ واشنطن ملفَّ التمييز في البحرين، بطَلَبٍ من الوفاق، جاءت قضية القبض على حسن مشيمع، زعيم حركة حق الطائفية، وعددٍ من مساعديه، فيما أعلنته السلطات البحرينية عن مشروع أمني بوسائل عنف خَطَّطَتْ له الحركة، ومشيمع هو مَنْ كان يتبَنَّى قضية وضع البحرين تحت الوصاية الدولية، لإعادة الاستفتاء على هُوُيَّتِها، الذي جرى مطلع الخمسينات، بين الضم لإيران، أو للمحيط العربي .

وحديثنا هنا ينصَبُّ على تحرير موضع حركة حسن مشيمع وباقي المعارضة الطائفية من خلال استشراف تحسن العلاقات الْمُطَّرِد، بين الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية، وانعكاسات ذلك على الملفات الساخنة التي تطرحها كلتا الإمبراطورتين في التفاوض على مستقبل العلاقة، وتأمين التحالف في الْمُتَّفَقِ، والتنازل أو التهدئة في مفاصل أخرى، وهي دراسةٌ بعيدةٌ عن قضية ( الحجيرة )، المتهم فيها حسن مشيمع، زعيم الحركة المعارضة، آخذةً بالاعتبار أنّ وجود الحركة بحرينيًّا كبطاقة للجمهورية الإيرانية، لا تقف عند نتائج القضية الأمنية، ولها أبعادها الخاصة في استراتيجية النفوذ والتمدد، وحالة التجاذب صراعًا أو تحالفًا بين طهران وواشنطن .

تصنيف الملفات أمريكيا

بحسب الرصد للدراسات والتصريحات الأمريكية فإن ترتيب الملفات بين الولايات المتحدة مع إيران ينقسم إلى أولويات رئيسية، وأولويات فرعية، آخذة في الاعتبار تقييم واشنطن الذاتي لخسائرها الاستراتيجية، وما آلت إليه الأوضاع،ـ وتجسيد رغبة التقارب مع طهران، وضرورة عَقْدِ الصفقة التي دعمها الاتحاد الأوربي بتأييده للمسار المقترح من أوباما، وباشرت به هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية الجديدة، وهي أربع ملفات رئيسية :

الأول والثاني مُتَّفَقٌ عليه كليًّا، كمواجهةٍ وجودية ٍمعه، وهو التوَحُّد في الحرب الجديدة التي تنوي واشنطن تسعيرَهَا مع المقاومة الأفغانية، ومنع حركة طالبان والمشروع الوطني الإسلامي الأفغاني من التقَدُّم لإحراز النصر، وهو محلُّ اتفاقٍ، بل وجموحٍ من الجمهورية الإيرانية، التي أعربت مرارًا عن رفضها لنتائج هزيمة الحلفاء الأطلسيين في أفغانستان، ومعارضتها الاعتراف بانتصار المقاومة .

أمّا الملف الثاني، فهو خطة ما بعد الانسحاب المرحلي النسبي من العراق، والتنسيق لِمَنْعِ المقاومة الإسلامية الوطنية في العراق من الاستفادة من خلل الاضطراب المصاحب له وسياقاته، وبالتالي قلَبَ المشروع التحرري الطاولةَ على الاحتلال وشركائه، وهو أيضًا ملفٌّ رئيسيٌّ مُتَوَافَقٌ عليه بصورة كبيرة.. وكلاهما يحمل تهديدًا وجوديًّا لنفوذ الإمبراطوريتين ومستقبلهما الاستراتيجي .

أمّا الملف الثالث، فهو: الطاقة النووية لطهران، وهو في الأصل مُعَدٌّ لتوافق مرحلي، وصل فيه الأوربيون لاتفاق مع طهران يضمن لها الاستمرار، ومنع التخصيب للأغراض العسكرية، ولكن معارضة الرئيس السابق جورج بوش حالتْ دون الوصول للاتفاق, لكنّ أجواء ما بعد العدوان على غزة، وقدوم الرئيس الجديد في مشهد التراجُع الأمريكي سيُعِيدُ طَرْحَ الحل التوافقي، أو يُجَمِّدُ التصعيد .

الملف الرابع : التأكيد بين العاصمتين على استئناف ودعم مساعي مفاوضات السلام السورية الإسرائيلية، والتي قطعت مشوارًا كبيرًا، وتعَزّز حرص واشنطن وتل أبيب عليها بعد صعود حركة المقاومة الفلسطينية بقيادة حماس، وخشية تل أبيب واضطرابها الشديد من تفاقم ارتدادات المعركة عليها وعلى حلفائها في فريق أوسلو والداعمين العرب له، وهو ملف رئيسي قد يبقى متأرجحًا, ولكن التوجه الأمريكي قد يوصله إلى توافق نسبي، فيما يتعزز موقف دمشق بدعم طهران؛ لكي تكون طرفًا رئيسيًّا محسومًا في المعادلة، ويتأمّن وضع النظام في التعامل الجديد لحفظ التوازنات مع واشنطن كطرفٍ وَسَطٍ بين دول المولاة لواشنطن، والتي استُهلكت كليًّا، وعجزت عن إيجاد توازن لها، مع التطلعات الشعبية التي تحيط بمحور المقاومة الصاعد في العراق وأفغانستان وفلسطين .

فيما استمَرَّ دورانها في خدمة الموقف الأمريكي التائه أحيانًا، ولكن لا يجد له نِدًّا إقليميًّا قادرًا على التوازن والتغيير في مدار الموالاة، ولذا كان الطرف الوسط هو محور دمشق-طهران، الذي نجح في إدارة علاقاته لتحسين مواقفه التفاوضية، وليس وحدة مصير مع محور المقاومة، وعليه فكان من الضروري لواشنطن أن تعترف به، وتتقدم للتفاهم معه، وعقد الصفقة .

الملفات الفرعية

وحين نقول: إنها ملفات فرعية، فلا يعني ذلك أنها ليست ذات بعد استراتيجي لواشنطن، غير أن الأخيرة تعطي أولوية لمواجهة دوائر التهديد الوجودي لهيمنتها، وبالتالي تعطي مرونة أكبر في هذه الملفات، ومن هذه الملفات التمددُ الإيرانِيُّ في الخليج عمومًا، وفي البحرين خصوصًا، وهو ما يسعى الإيرانيون لتأكيده، بل وتطوير الرسائل القوية فيه، سواءً من خلال دعم الحركات الموالية لها، كحركة مشيمع، وجمعية الوفاق، وقوى مستقلة تنشأ بتوقيت خاص - مع تأكيدنا المستمر على أن المقصود التنظيمات الحزبية الموالية لطهران، وليس أبناء الطائفة الإمامية – أو كان ذلك من خلال رسائل مباشرة إلى بعض الأطراف في الخليج، كإعادة التهديد للإمارات بشأن توسيع القضية إلى أصل قناعة الثورة الإيرانية في مطالبتها بساحل الخليج الغربي المتضمن لحدود الإمارات، في حال استمرت دولة الإمارات بالمطالبة بالجزر، وهو ما وَرَدَ على لسان عضو برلماني إيراني، وما أعقبه من تهديد لنفس السبب، بأن إيران تُفَكِّرُ في سحب استثماراتها المليارية من دبي، وتأثيراته المباشرة على الوضع الاقتصادي المضطرب للإمارة في الخليج، وبروز تساؤل أكبر: ما هو المقابل لبقاء الاستثمار ؟

البحرين المحور

وعطفًا على ما قلناه أمس، إلاّ أنّ النفوذ الإيراني في البحرين يبقى مركزيًّا لملف التمدد في الخليج؛ لمحورية البحرين للمنطقة، ويتداخل معه تماسًّا تمدد النفوذ الإيراني في إقليم الأحساء شرقِيّ السعودية، وهو نفوذ مرحلي مُتَدَرِّجٌ، تعتقد الجمهورية الإيرانية أن الوقت قد حان للتقدم نحوه، وأن واشنطن مستعدةٌ للقبول به، وإن اختلفت الصيغ في انعكاس هذا النفوذ سياسيًّا واستراتيجيًّا على المنطقة.

وبالمحصلة يتبين لنا أنّ التغيير في وضع هذا الملف الأقل أهمية لواشنطن سيَشْهَدُ تطوُّرًا منهجيًّا أو مفاجئًا، وقد يتزامن مع اضطراباتٍ تُحَرِّكُهَا الجمهورية الإيرانية، ثم تسعى للالتفاف عليها لحصد النتائج، مطمئنةً إلى تَفَهُّمِ واشنطن للنفوذ الجديد، آخذين في الاعتبار ما أشرنا إليه في زيارة وفد جمعية الوفاق لواشنطن، وتغييرات البيت الأبيض .

إدارة الإيرانيين لبطاقات المعارضة

من هنا سيبرز لنا ملفٌّ مهمٌّ للغاية، وهو طريقة إدارة طهران لبطاقات المعارضة الموالية لها، وهي حالاتٌ تتكَرَّرُ في الخليج والعراق، مع الفارق، وتأخذ مسارات إشعال وتهدئة تخضع لمصالح الجمهورية الإيرانية العليا, فلو استعرضنا الحالة العراقية لوجدنا أنّها تختلف في مستويات الرعاية والتوجيه، وفَسْحِ المجال لأطرها المختلفة بالتقدم للعبة السياسية المحلية والعلاقات مع واشنطن , بدءًا بأخفها علاقةً، كحزب الفضيلة الذي واجهه الإيرانيون بشدة، حين بدأت نزعة الإحياء العراقية والانتماء العربي فيه تصطدم مع مصالح الجمهورية، فتم تصفية عدد من شخصياته، ومحاصرته، ثم اضطرابات التيار الصدري؛ حيث ركزت طهران بقوةٍ على إبطال اتفاقه مع هيئة علماء المسلمين لمنع الفتنة الطائفية عند بدء تشكله، وهو التيار الذي تغيرتْ بوصلته يمينًا ويسارًا في اضطراب شديد يُعَسْكََر تارةً في قالب طائفي ومناوش لواشنطن، ويُسَيَّسُ تارة أخرى، ثم يبقى في حالة إعداد إسنادي، أو غطاء لتحَرُّكٍ تقوم به الأطراف الأخرى، وهما مجلس الحكيم الأعلى، وحزب الدعوة، اللذان أدارا حالة التمدد الإيراني في العراق، من خلال الاحتلال وعمليته السياسية .

والمقصود هنا هو هذه البانوراما في إدارة الإيرانيين لقواعد اللعبة للمعارضة الموالية لهم في الخليج، وكيف سيُترجم هذا في حالة البحرين، مما يُعْطِي مؤشرا إلى أنّ تفويج حركة مشيمع التي اعتمدت على أقصى درجات المواجهة مع البناء السياسي للدولة والمجتمع الآخر، وكرّست لغة الخندقة الطائفية ميدانًا مشتعلًا في البحرين، من الصعب أن يستمر في هذا القالب، ولا بُدَّ من إعادة ترويضه، ثم وضعه في سكة التهديد الموسمي .

وما يُعَزِّزُ هذا التوجهَ عودةُ الديمقراطيين إلى واشنطن، وحجم العلاقة بينهم وبين جمعية الوفاق والقوى التابعة لها في مسألة المعهد الديمقراطي الأمريكي، الذي أقيم سابقًا في البحرين،/وشخصية القيادية فيه مادلين أولبرايت، خاصةً وأن الأخيرة كانت في فريق الصياغة الأمريكي الذي أعد دراسة مستقبل الإدارة القادمة - أي الحالية الآن- مع الوطن العربي، وعليه فإن إعادة برمجة حركة مشيمع ضرورةٌ للمشروع القادم، وإن كان الوضع في كل الأحوال لا يُعرف إلى أين يتوجه، مع استمرار الانعكاسات في مدارات الملفات الرئيسية على هذا الملف .

هل يُجهل طريق التصحيح؟

وقد كررنا مرارًا في مقالاتنا عن عموم دول الخليج أن المسار الإصلاحي الفعال، وتجسير العلاقة الوجودية مع الهوية العربية، والاتحاد إقليميًّا لدول مجلس التعاون في الخليج، هو التوجه الفعال لملاقاة الأخطار المركزية، ونتائج تطبيقات الصفقة، مع الإيمان بدعم قوى المواجهة الصاعدة، ومدّ الجسور معها كمشاريع قوى تُشَكِّلُ توازناتٍ مهمةً، وخاصةً المقاومة العراقية، والاعتراف بالصعود الجديد لحركة طالبان، والنأي في أقل الأحوال عن مشاركة المعسكر المعادي للقضايا العربية، وخاصةً في فلسطين، حتى لا يزيد هذا التوَرُّط مع مشاريع حلفاء تل أبيب، تعقيدَ الحالة الوطنية، وضعفَ الالتفاف الشعبي المنهك أصلًا، بسبب توقف عملية الإصلاح، وانتهاء مواسمها الاحتفالية..

ومع الإرادة لن يكون هناك عجز، فقد فعلت دول مماثلة في المنطقة نماذجَ من إدارة حِرَاكِها، جعلَتْهَا رقمًا مُعْتَرَفًا به إقليميًّا، بغض النظر عن أهداف التحرك لكل جهة، وأمّا الْمُصِرُّون على أن يبقوا رهينةَ إرادة واشنطن، وقد اعترفتْ هي بعجزها، وغيّرت قرارها لإدارة مصالحها..وما لم يغيروا هم، فلينتظروا إذًا مصيرهم الذي صنعوه بأيديهم!

المصدر: الإسلام اليوم
إرسال تعليق