2009/04/21

الأحواز ... المأساة المنسية

بقلم الشيخ الدكتور طه حامد الدليمي
برقيـة عـزاء
ثقيل على النفس أن لا يجد المرء أحداً يشاركه مشاعر فرحه. فكيف به حين يجد نفسه وحيداً يجتر آلام حزنه بلا شريك؟!
الحزن - يا سادتي! - مع الوحدة مصيبة مضاعفة!
ومن هنا كانت التعزية في شريعة ديننا، وتقاليد عروبتنا.
فحين يصاب أحدنا بمصيبة نذهب إليه معزين. نصبره، وندعو له، ونذكره بالحقيقة التي لا بد من مواجهتها. ولربما أعناه على بلواه - إن كان محتاجاً - بما تجود به القلوب قبل الجيوب؛ فتخف مصيبته، ويتضاءل حزنه. ويشعر أنه ليس وحده في هذه الحياة. بل إن له إخواناً و.. أعوانا.
هذا إذا كان المصاب فرداً، أو عائلة. فكيف إذا كان المصاب أمة أو شعباً بحاله؟!
بهذا الشعور ،، وهذا التصور ،، وهذا السياق المؤلم يأتي حديثي عن الأحواز.. أو قل: عن مأساة الأحواز.
ألا إن الأحواز كلها مصيبة!
أليس إذن من الواجب علينا أن نرسل إليها - ولو - برقية تعزية؟ نشارك بها إخواننا مشاعرهم، ونواسيهم في مصابهم، ونتبادل العواطف، ونمزج القلوب بالقلوب. ونقول لهم: لستم وحدكم؛ فصبراً بني عمنا! إن موعدهم الصبح.. أليس الصبح بقريب؟
أم نسينا الأصول؟ وتخلينا عن الواجب؟ وفقدنا المشاعر؟ وتبلدت عندنا الأحاسيس؟
أما أنا..؟ فأرى في الأحواز عراقاً آخر يذبح.. ما رأيت صورة الكارون إلا وتذكرت شواطئ دجلة، وبساتين الفرات. وما رأيت أحداً من أهلها، بسحنته العربية، ولهجته العراقية إلا وتذكرت أهلي، وأخذني الحنين إلى.. إلى هناك. وما رأيت صور حياتهم وأنا أتابعها على مواقع الشبكة إلا وكأني أرى صور بلادي وأحبابي.. هذه أمي بعصبتها وفوطتها وعباءتها، وتلك خالتي، وهؤلاء أبناء وبنات حارتي، وذلك خالي (يذري) بـ(مرواحه) دريس البيدر. وهذه النخلات نخلات قريتي، وهذه الساقية ساقيتنا التي كانت تمر من أمام دارنا.. وذاك.. ذاك..؟ أنا، نعم! أنا.
ويستبد بي الحزن.. وتنسج المأساة في خاطري خيوطها، وأنا أستعرض صور الأسرى، ورسوم الشهداء.. وفي أذني نشيد أحوازي.. هوسات يعربية، ونبرات حماسية، تلتهب مشاعري بلحنها، وتثور لوقعها. يا إلهي!.. وأغلق الصفحة؛.. كفى! لا أستطيع الاستمرار. وأتلفت حولي.. هل يراني من أحد، ثم أخرج المنديل...
و أتذكر - وعلى الدوام - قول شوقي منفياً في بلاد القوط:
يا نائحَ الطلحِ أشباهٌ عوادينا
نأسى لواديكَ أمْ تشجى لوادينـا
ماذا أقُصُّ عليكَ غيرَ أنّ يداً
قصّتْ جناحَكَ جالتْ في حواشينا
لقطة من صور المأساة الصامتة
افتحوا شبكة الإنترنيت، وقلبوا صفحاتها،، وانظروا إلى بعض صور تلك المأساة الصامتة المنسية! انظروا إلى المشانق كيف تعلق عليها تلك الأجساد البريئة؟ وتأملوا طريقة الشنق الوحشية!
بعضهم لا يشنق بالطريقة الاعتيادية، كما يعدم باقي البشر إنما يشنق بالطريقة الآتية: عارضة حديدية.. في أعلاها بكرة، يتدلى منها حبل.. في أحد طرفيه تعلق الضحية!.
والضحية.......؟
هو رجل أو شاب أحوازي شريف. وقد تكون امرأة أغاظت في يوم ما علجاً فارسياً بمنظر (شيلتها) العربية!
والطرف الآخر يمسك به وحش في صورة آدمي.. وحش يسمى إنساناً ! يسحب ضحيته المدلاة من الطرف الآخر سحباً ! ولكم أن تتصوروا حجم العذاب الذي يصب على الضحية صباً، وهي تعلو وتهبط بيد من يسحبها ! ولعل ذلك الوحش يتعمد أن يشد الحبل وأن يرخيه؛ ليزيد العذاب عذابا.
رسول الله صلى الله عليه وسلم.. نبينا العربي، نبي الرحمة يقول: (( إنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شئٍ.. فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحةَ. ولْيَحِدَّ أحدُكم شفرتَهُ، ولْيُرِحْ ذبيحتَه)).
يا أتباع زرادشت!
لو كنتم من خدم خدم أتباع محمد لعاملتم ضحاياكم – على الأقل – معاملة الذبيحة! أو معاملة الحيوان.
يا عالم!
يا منظمات حقوق الإنسان!
لا نطالبكم بغير حقوق الحيوان للإنسان العربي الذي يذبح في مسلخ إيران!
السادية والشذوذ النفسي
هذا العنف السادي - وأسميه " سادياً " لأن القاتل لا يكتفي بقتل الضحية، وإنما يريد أن يتلذذ بتعذيبها قبل أن يقتلها - خلق فارسي. العنف السادي من أخلاق الفرس إلا من رحم الله. لماذا؟ وشواهد ذلك الآن في العراق أكثر من أن تحصى.
الفرس - ومن تأثر بهم ممن تشيع بدينهم - لا يقتلون ضحاياهم إلا بعد تعذيبها! لماذا؟ لأنهم مصابون بـ(عقدة النقص)، ويعانون أعمق العناء من (عقدة الاضطهاد). وليس من شرط المريض بـ(عقدة الاضطهاد) أن يكون مضطَهداً في الواقع. هي عقدة أو مرض ينتشر بالعدوى.
تنعكس هذه العقد على ممارسات وتصرفات أصحابها شذوذاً في السلوك، أو التعامل مع الضحية؛ ولذا فإن المصاب بهذه العقد لا يكتفي بقتل الضحية، وإنما يريد أن يطيل من أمد موتها.
ولماذا؟ لأن ذلك وحده يشعره بالتماسك النفسي.. يشعره بأنه موجود، بأنه مخيف، وأنه قوي.
القاعدة عند هذا على الناس الصنف: " أنت تتألم؛ إذن أنا موجود ".
والبلاء كل البلاء سيكون هؤلاء الذين يعانون من عقدة الاضطهاد وعقدة النقص إذا أمسكوا يوما بزمام القوة. وأبرز مثال على هذا الصنف: الفرس واليهود. وانظروا إلى ما هو حاصل ويحصل اليوم في بلدنا العراق المحتل، وفي بلدنا الآخر الأحواز العربي المحتل. ولا أراني في حاجة لأن أعيد إلى الأذهان مأساة الأسير العراقي في سجون إيران. لقد كان الوحش الإيراني يدخل صنارة الصيد .. تخيل ..!!
صنارة الصيد.. يدخلها في العضو الذكري للأسير، ثم يسحبه ليمشي به حيثما يريد.
هذه لقطة سريعة، وبسيطة تعبر عن وحشية هؤلاء وساديتهم وظلمهم.
ما يجري الآن في العراق شاهد واضح على ما أقول، والعراق ليس في قبضة إيران. فكيف هو الحال في قطر الأحواز، الذي هو في قبضة إيران؟! ماذا تتصورون يفعلون به؟!
صورة لا تنسى
صور مأساة الأحواز لا تحصى! وإن أنسَ لا أنسَ - وأنا أتصفح صور المأساة المنشورة على شبكة المعلومات - صورة تلك المرأة العربية الأحوازية التي سيقت الى الإعدام في يوم 3/3/2006 ، بملابسها السوداء الطويلة بطول حزن الأحواز. تلبس تلك الملابس التي تلبسها أمي وأمك، وخالتي وخالتك، وعمتي وعمتك. يا ليت شعري ماذا قالت حين ألقي عليها القبض؟ هل لها من أولاد؟ ماذا فعلوا وهم يرون أمهم تساق إلى المجهول، وتفارقهم إلى حيث لا لقاء؟ وكيف هو حالها يوم ألقيت في الزنزانة وحيدة بلا أنيس؟ أو حين تداولتها أيدي أولئك الوحوش؟ وماذا كان شعورها وهي تغادر هذه الحياة؟
ليس من قصدي الحديث عن تفاصيل المأساة الأحوازية. إنما أريد أن أبين الخطوط العريضة، وأقرب لكم صورة الظلم الذي تمارسه إيران فيها، وفي أي أرض تطالها يدها، ولو من بعيد! وذلك من خلال مقياس لا يخطئ عن العدل وعن الظلم. ثمة مقياس نقيس به العدل، ونقيس به الظلم ، سأتحدث عنه أثناء الكلام .
بداية المأساة
بدأت مأساة الأحواز قبل أكثر من ثمانين عاما.. يوم رأت بريطانيا العظمى أن لا بد من أن تقف بوجه أطماع الاتحاد السوفييتي، تلك الإمبراطورية الناشئة للتو، ممثلة بروسيا القيصرية. التي كانت لها أطماع وأماني وآمال قديمة جدا أن تصل في يوم ما إلى ما يسمى بالمياه الدافئة في الخليج العربي. وحين تشكلت إمبراطوريتها في سنة 1917 بدأت تهدد الوجود البريطاني في المنطقة آنذاك فرأت بريطانيا أن تجعل بينها وبين روسيا سداً. فكان هذا السد هو إيران. ولكن لا بد لهذا التزاوج غير الشرعي بين إيران وبريطانيا من مهر أو ثمن. وكان الثمن المدفوع هو.. الأحواز!
الشيخ خزعل الكعبي
وفي يوم 20 نيسان من سنة 1925 وقعت الجريمة النكراء. بمؤامرة حاك خيوطها الثنائي الشيطاني: بريطانيا – إيران. وكان أن استدرجوا أمير الأحواز الشيخ خزعل الكعبي تحت ذريعة إقامة حفل توديعي للقنصل البريطاني على اليخت الخزعلي. حيث تم اعتقاله، وذهبوا به هو وابنه من ثم إلى إيران. ليموت هناك بعد أكثر من عشر سنين. ثم يلحق به ابنه بعد سنتين من مماته، بينما كان الفرس يحاولون أن يستخلصوا منه اعترافاً بشرعية الاحتلال الإيراني للأحواز، أو اعترافا بأن الأحواز جزء من إيران. ولكن الشيخ خزعل أبى أشد الإباء، رغم معرفته بأ ذلك سيكلفه حياته. وهكذا كان. ومات ولم يكتب لهم ذلك الاعتراف.
من تلك اللحظة.. أو من تلك الليلة المشئومة بدأت المأساة الأحوازية، وانتهى الحكم العربي في الأحواز التي كانت مستقلة بشتى الصور عن إيران. وقامت فيها إمارات عربية تستقل أحيانا استقلالا كاملاً عن إيران، وأحياناً جزئياً. وأحيانا تغزوها إيران ثم تخرج منها. إلى أن انتهى الحكم العربي في سنة 1925 لتبدأ المأساة.
المأساة في خطوطها العريضة
أستطيع أن ألخص المأساة الأحوازية في خطوطها العريضة بعدة نقاط رئيسة:
· ضمت إيران الأحواز إليها، وأعلنت الحكم العسكري المباشر لها، وأقامت الثكنات العسكرية، وزجت بحامياتها في أرض الأحواز، وزودتها بالأسلحة الفتاكة للسيطرة على الشعب العربي هناك ولمراقبته.
· ألغوا جميع مؤسسات الحكم العربي السياسية والإدارية والقضائية.
تأملوا اللمسة الإيرانية في هذا التصرف! وقارنوا بينها وبين ما حدث في العراق. إن إلغاء الأمريكان مؤسسات قيام الدولة حين دخلوا العراق، كان بوحي من إيران وإسرائيل عن طريق عميلهم أحمد الجلبي وأمثاله. وهكذا يعيد التأريخ نفسه!
· حرموا الشعب العربي من أبسط حقوقه المدنية وحرياته السياسية. إلى حد أنهم منعوا العرب من تسمية أبناءهم بالأسماء العربية ذات الدلالات الخاصة التي تزعج الإيراني مثل اسم عمر أو عثمان أو عائشة. هذه الأسماء تزعج الفارسي لأنها ترتبط في ذهنه بذكريات لا يريد أن يستعيدها؛ ولذلك – وبسبب سخافة عقولهم، وحساسية عقدتهم المتأصلة في نفوسهم - تراهم يضطهدون كل من اسمه عمر أو عثمان، أو يقتلونه .هذا ما يجري الآن في العراق. في أسبوع واحد قتلوا (86) شخصاً ممن يحمل اسم عمر. بل ربما غيروا اسم العربي كاملاً، أي يغيرون اسمه واسم أبيه، ويعطونه بدلاً اسما فارسيا. حتى يلغوا هويته،
· منعوا العرب من ارتداء الزي، أو العقال العربي. فإذا ذهب أحدهم إلى دائرة رسمية ضايقوه وأسمعوه عبارات التنقيص من العرب، وربما منعوه من دخولها. وإذا ذهب إلى السوق يضايق من خلال إلقاء النكت والكلمات الجارحة. وكذلك حين يمشي في الشارع.
· منعوا أبناء العشائر من التجمع في الدواوين والمضايف العربية.
· منعوا الدراسة والتحدث باللغة العربية. فالمناهج الدراسية كلها بالفارسية. وليس ثمة في الأحواز كلها مدرسة عربية واحدة!
· ألغوا الاعتراف بالقومية العربية والاعتراف باللغة العربية لغة للشعب العربي الذي يبلغ تعداده ثمانية ملايين.
قارنوا بين هذا وبين ما حصل في ما يسمى بـ(الجمعية الوطنية العراقية) حينما طالب بعض ذيول إيران ممن يتقمصون الهوية العراقية، باعتماد اللغة الفارسية لغة رسمية! تصوروا..! في العراق يطالبون باعتماد اللغة الفارسية لغة رسمية لأن هناك مجموعة من الفرس يتواجدون فيه. وثمانية ملايين في الأحواز كلهم عرب لا يعترفون لا بلغتهم، ولا يسمحون لهم بأن يفتحوا مدرسة واحدة تتحدث العربية!
· غيروا الأسماء العربية للمدن والمواقع. وغيروا الملامح وكل ما يمكن أن يدل أو يشير إلى العرب في أرض العرب هناك.
· اقتطعوا أجزاء من الأحواز وضموها إلى المحافظات الفارسية.
· قاموا بأعمال تهجير للعرب وتوطين الفرس مكانهم.
· منعوا الترجمة في المحاكم من العربية وإليها. وألزموا صاحب القضية بعرض قضيته باللغة الفارسية فقط. فإن لم يكن يجيد التحدث باللغة الفارسية سقطت قضيته ؛ ولا يسمحون للعربي أن يأتي بمترجم . أما إذا كان خصمك فارسيا
فاقرأ على قضيتك السلام، ومن أول لحظة!
· سيطر الفرس على جميع مجالات الخدمات والإنتاج، وحرموا عامة العرب من الوظائف الحكومية . مع فرض الضرائب عليهم . بالإضافة إلى احتكار التجـارة
والنشاطات الاقتصادية الأخرى وحصرها بيد الفرس.
· حرموا العرب من امتلاك الأراضي الزراعية. وصادروا جميع الأراضي التي يمتلكها العرب وعقاراتهم.
· هذا بالإضافة إلى انعدام الرعاية الصحية.
هذا كله في كفة..
· وفي الكفة الأخرى استخدموا جميع أنواع التنكيل والإرهاب والمطاردة والقتل والاغتيال ضد أبناء الأحواز.
· أما وسائل الإفساد الخلقي ونشر المخدرات بين الشباب العربي في الأحواز من أجل إفسادهم وإنهائهم وإلهائهم.. فحدث ولا حرج.
المقاومة الأحوازية
لعل سائلا يسأل: كل هذا حصل؟ فماذا كانت ردة فعل العرب في الأحواز؟
وأنا أعتبر السؤال هذا جزءاً من المأساة الأحوازية! لأنه يعني أننا لا نعرف شيئاً عن أهلنا في الأحواز الجريحة! ونجهل ماذا حصل فيها خلال هذه العقود المتطاولة التي بلغت (80 أو 90 سنة ) من الاحتلال الفارسي. ولكن من أين يأتي العلم إذا كان الجميع ساكتين؟
الأقسى والأمر أن علماء الدين أيضاً ساكتون! فلماذا؟
إذا كان رجل السياسة يخاف الدوائر، أو يعتبر أن المصلحة السياسية في السكوت على ما يجري، فعلام يسكت عالم الدين؟ والله تعالى قد أخذ الأمانة على كل مسلم أن يقولوا الحق ولا يكتمه. فكيف بالعلماء الذين قال الله تعالى فيهم: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران:187).
نعم! لقد عمل إخواننا في الأحواز – ولا زالوا يعملون - بما يستطيعون لمقاومة
الاحتلال. فقد قاموا بانتفاضات، وفجروا ثورات. كما قدموا مذكرات إلى الجامعة العربية في جميع مؤتمرات القمة العربية، كان جوابها الصمت، والصمت المطبق! وكذلك رفعوا صوتهم عالياً في كثير من المحافل الدولية، وتوجهوا بقضيتهم إلى المنظمات العالمية وناشدوها بمساندتهم. وأسسوا الأحزاب والمنظمات والروابط.
الانتفاضات والثورات
وإذا كان ولا بد أن نقف عند بعض صور المقاومة الأحوازية المسلحة، فنقف قليلا عند بعض الانتفاضات والثورات.
· ثورة الغلمان: فأول ثورة قامت بعد أقل من ثلاثة أشهر على احتلال الأحواز، وسميت بـ(ثورة الغلمان). وذلك في شهر تموز من عام 1925، بقيادة شلش وسلطان.
· ثورة الحويزة: وقامت ثورة أخرى في سنة 1928 سميت بـ(ثورة الحويزة) بقيادة محي الدين الزيبق. الذي تمكن من تشكيل حكومة دامت ستة أشهر.
· ثورة الشيخ حيدر الكعبي: عام 1940 في منطقة الميناو.
· ثورة الشيخ جاسب الخزعل: في منطقة الغجرية عام 1943.
· ثورة الشيخ عبدالله بن الشيخ خزعل: عام 1944. وقد استطاع أن يجتاح مدينة المحمرة، ليدخل قصر أبيه. والقبائل العربية قد تلقته وهي تهتف: (طب بدرج يا دار زهيله.. طب بدرج يادار زهيله).
· ثورة بني طرف: عام 1945. عندما أجبرت الحكومة الإيرانية العرب هناك على تغيير زيهم العربي وجردتهم من أسلحتهم. وكانت هوستهم: (يا عكال نسويلك هيبة).
· ثورة الشيخ مذخور الكعبي: عام 1946. وهذه بدأت حينما أسس في عبادان حزب أطلق عليه اسم " حزب السعادة " . كانت أهدافه تدور حول الحفاظ على الشخصية العربية. فلم تكن مطاليبه تلك المطاليب الخطيرة والكبيرة. كان يركز على بث الشعور بالانتماء العربي ومنح العرب حقوقهم القومية والسماح لهم بإصدار صحف، وتأسيس نوادي خاصة بهم أسوة بالأقليات الأخرى في إيران. وكان يدعو إلى التزيي بالزي العربي، وإلى جعل المناهج الدراسية باللغة العربية.
امتدت تنظيمات هذا الحزب إلى مدينة المحمرة، ثم الى بقية القطر الأحوازي. لكن بريطانيا وسلطة الاحتلال الفارسي لم يرق لهما ما يجري على أرض الأحواز مما يفعله هذا التنظيم؛ فتآمروا فيما بينهم، واستطاعوا أن يوقعوا بينه وبين (حزب تودة) الإيراني. وأن يطلقوا العنان للمستوطنين الفرس وهم مدججون بالسلاح لقتل الشباب العربي، واغتيالهم ومطاردتهم. وسلطة الاحتلال من ورائهم. فارتكبوا مجازر بشعة، وحمامات دم وتصفيات كثيرة. وطاردوا شباب التنظيم ونكلوا بأعضاء هذا الحزب وكل العرب الأحوازيين.
مأساة مؤسس الحزب حداد بن هويدي
وإن أبشع ما حصل في تلك الأيام حين دخل أولئك الوحوش إلى بيت مؤسس الحزب حداد بن هويدي. دخلوا عليه بيته واعتقلوه هو وزوجته وأطفاله الثلاثة وصعدوا بهم الى سطح الدار.. ثم قاموا بإحراقهم وإلقائهم من فوق السطح كتلاً نارية. - تأملوا هذه الوحشية وهذه السادية! - ودمروا جميع مكاتب التنظيم وأنهوا وجوده.
وهذا أدى إلى ردة فعل عنيفة قام بها العرب الأحوازيون بقيادة الشيخ مذخور الكعبي. فهجمت القبائل العربية على الحامية الفارسية في المدينة وقتلوا أعدادا كبيرة من جنودها. ولكن – كالعادة - انتهت هذه الانتفاضة كما انتهت سابقاتها من الانتفاضات والثورات لعدم التوازن بين قوى الكفتين.
واستمرت هذه الثورات والانتفاضات والى اليوم.
مقياس العدل والظلم
أكرر التنبيه على أنني لست بصدد الحديث عن تفاصيل المأساة. وإنما أريد أن أتحدث عن الخطوط العريضة العامة. وعن المقياس الذي نقيس به الظلم والعدل ، أريد أن أعرض هذا من خلال أول حدث إجرامي قامت به سلطة الاحتلال الإيراني بعد تولي خميني الحكم في إيران.
لقد كان للشعب الأحوازي دور كبير في نجاح ثورة الخميني. الذي كان يعدهم الوعود البراقة، ويمنيهم الأحلام الخلابة. وكانوا يصدقون هذه الوعود لأن الخميني كان يتستر بشعارات دينية. وهم وإياه من مذهب واحد، فالعرب في الأحواز كانوا كلهم شيعة عند مجئ الخميني، ولم يكن منهم إلا القليل من أهل السنة، على عكس ما هو عليه الحال اليوم. وجاء الخميني واستبشر به أهل الأحواز. وذهب إلى طهران وفد منهم يحملون مطاليب مشروعة، وكلهم أمل في تحقيق هذه المطاليب.
ترى..! ما هي هذه المطاليب؟
1. السماح لهم بالتحدث بلغة القرآن اللغة العربية إلى جانب اللغة الفارسية
2. أن تكون لهم مدارس مناهجها الدراسية باللغة العربية، إلى جانب اللغة الفارسية
3. وأن يسمحوا لهم بتأسيس جمعيات خاصة بهم
4. وأن يسمح لهم بإصدار صحيفة عربية
تأملوا هذه المطالب.. التي هي مطالب جميع الذين تقدموا صفوف أهل الأحواز منذ الاحتلال والى اليوم! تأملوها لنستخلص من خلالها مدى الظلم الواقع على شعب الأحواز .
كيف نقيس حجم الظلم وحجم العدل ، الشعوب كل الشعوب على مدار التأريخ في
علاقتها مع الحكام لديها مطالب، وأهداف وتطلعات، وأحلام وغايات. من خلال نوع هذه المطالب نعرف أو نستخلص مقياس الظلم أو العدل.
عمر العادل
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه هو رمز العدل في تأريخنا. ذلك العملاق الذي سلطه الله على دولة فارس؛ لأنها رمز الظلم. يظهر إن الله تعالى بحكمته يسلط الأضداد على الأضداد: فمسيلمة الكذاب سلط الله عليه أبا بكر الصديق. انظر إلى المعادلة تجد (كذاباً ضده صديق). سعد بن أبي وقاص كان القائد الذي كتب الله تعالى على يديه هزيمة وانهيار دولة فارس. هذا العملاق الثاني من صفاته أنه لا يحمل حقدا على أحد. يقول: أنام حين أنام وليس في قلبي غل على أحد من المسلمين. وبهذا شهد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم له بالجنة في قصة معروفة. سلط الله تعالى هذا الإنسان الصافي القلب على دولة الحقد!
دولة فارس تجمع إلى الحقد الظلم. فهي رمز من رموزه. رمز الظلم سلط الله تعالى عليها رمز العدل!
ويقف هذا الرمز الإنساني يوما خطيبا فيقول: " أيها الناس اسمعوا وأطيعوا ".
تأملوا المفارقة! لاحظوا تصاريف القدر! يقوم له شخص ليقول له: " لا سمع ولا طاعة "! أتعرفون من هذا الشخص؟
إنه رجل فارسي لا قريب له.. ولا أحد، ولا عشيرة!
فيقول عمر: " ولم؟ " قال: " لأن ثوبك أطول من ثيابنا ". يشير الى أقمشة وزعها عمر بن الخطاب على الناس وقد أخذ - كما أخذوا - قطعة منها. لكن سلمان يرى ثوب عمر طويلاً. وعمر كان طويلا بائن الطول. كان إذا ركب الحصان قدماه تخطان في الأرض. وقياساً على ذلك يكون قد أخذ أكثر من قطعة. فهذا ظلم يرتكبه الحاكم لا ينبغي معه أن يأمر فيطاع، وأن يقول فيسمع!
ماذا فعل عمر؟ هل قال: " خذوه.. سحبوه.. اقتلوه.. عذبوه " ؟
لم يقل، ولم يفعل سوى أنه نظر في وجوه القوم يبحث عن ابنه عبد الله أين هو؟ فلما رآه فقال: " قم يا بني دافع عن أبيك ". فقام عبد الله ولم يزد على أن قال: " أيها الناس! لقد أعطيت ثوبي لأبي فصنع منه ثوبا ولبسه ". وبكل بساطة قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: " الآن قل نسمع واأمر نطع ". وانتهى الموضوع! واختفت القضية من أرض الواقع تماماً، لينتقل ملفها إلى صحائف التأريخ.
وفي زمن حفيده عمر بن عبد العزيز يأتيه البريد من صعيد مصر. والبريد في ذلك الزمان لم يكن كحاله في هذه الأزمنة. لم تكن المواصلات متطورة كما هي الآن. كانت المواصلات على الإبل وعلى الخيل، وكان البريد لا يحمل إلا القضايا الكبيرة إلى دار الخلافة. لكنه هذه المرة يحمل كتاباً من امرأة عجوز سوداء تسمى فرتونة السوداء. فرتونة السوداء ترسل كتابا إلى الخليفة في دمشق! ومن صعيد مصر! " من فرتونة السوداء الى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ..." . ماذا تريدين يا فرتونة ؟ " إن جدار بيتي واطئ؛ فيتسوره الصبيان ويسرقون بيض دجاجاتي فأمر الوالي بأن يبني لي جدار البيت "! ويقول عمر : " سمعا وطاعة " ويكتب الخليفة إلى
الوالي أن يبني لتك العجوز السوداء المنقطعة جدارها كما تريد.
حينما ينتشر العدل تكون عند الشعب حساسية مرهفة لما يقع عليهم، وينخفض مقياس الظلم لديهم. ويرتفع سقف مطاليبهم. نعم! ينخفض مؤشر المقياس الذي يتحسس الظلم كثيرا، بحيث يتحسس المواطن تقصير الحاكم إلى هذه الدرجة.
إذن من خلال حجم القضية، ونوع المطاليب نستخلص مقياس العدل أو الظلم. حينما يشعر المواطن أن الحكومة مسؤولة حتى عن جداره. وأن مشكلته مع الحاكم كماليات الحياة هذا يعني أن الشعب يعيش في نعيم الحرية وبحبوحة العدل. وأن ما فوق هذا متوفر. وحينما لا يكون للأمير من ذنب سوى شبهة أن ثوبه أطول من ثياب رعيته.. معنى هذا أنه ليس هناك من ظلم أكبر من هذا، فيما لو وقع هذا. لكن حينما تكون مطالب الشعب هي أساسيات الحياة البسيطة مثل اللغة، ولا يستجاب له.. معنى هذا أن ما هو أكبر منها مستباح.
إن شعب الأحواز خيراته منهوبة. 95% من النفط الإيراني في الأحواز، وهو لا يحصل على شيء منه! بينما إيران كلها تعيش على نفطه. ومع ذلك لم تكن هذه القضية مطروحة للنقاش ضمن المطاليب. هم لا يريدون فوق أن تسمح لهم الحكومة الجديدة ببناء مدرسة عربية.. يتحدثوا باللغة العربية.. تصدر لهم صحيفة عربية. ماذا يعني هذا؟ يعني أن مقياس الظلم قد ارتفع مؤشره إلى هذه الدرجة. وأن الدولة ظالمة ظالمة، وأن الشعب العربي في الأحواز غارق إلى أذنيه في ظلم هذه الدولة.
يوم الأربعاء الأسود
ومع بساطة هذه المطاليب ماذا كان رد الخميني؟
لقد أوعز الخميني المقبور إلى الحاكم العسكري لعربستان المدعو أحمد مدني، الذي كان قائد القوة البحرية - أوعز إليه بإنزال العسكر في أرض الأحواز واستباحتها. فأنزل هذا المجرم الجيش، وشن حملة قتل ومطاردات، فقتل في يوم واحد أكثر من مائة شاب أحوازي، واعتقل في ليلة واحدة أكثر من خمسمائة!
هذا كان رد الخميني على هذه المطاليب. وكانت مجزرة.. وكانت مأساة.. في يوم 29/5/1979، في يوم أربعاء أطلق عليه يوم الأربعاء الأسود.
ولا زال إخواننا في الأحواز يذوقون الويلات من تلك الدولة ومن أولئك الوحوش
الأوغاد الذين يحقدون على تأريخنا ويسبون أجدادنا ويشوهون تأريخ رموزنا. إنهم يكرهون عمر العادل إلى حد أنهم يتضايقون من سماع اسمه.. إلى حد أنهم لا يتحملون رؤية شخص يمشي في الشارع واسمه عمر؛ لأنه يذكرهم بعقدتهم.. بظلمهم. إنه الند النقيض. والنقيض يتضايق من رؤية نقيضه.
متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟!!!
عمر هذا الذي يكرهه العجم، يأتيه في يوم من الأيام شاب نصراني من مصر، يطوي الوهاد والنجاد حتى يصل إلى المدينة! ما قضية هذا الشاب؟! وتأملوا المقياس! قضيته أنه تسابق يوما على الخيل. وكان في المتسابقين ابن الأمير.. أمير مصر.. عمرو بن العاص رضي الله عنه.. هذا القائد العربي المسلم الذي فتح فلسطين، وحرر مصر.. محرر فلسطين ومصر عمرو بن العاص الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم يوم أسلم - والحديث في صحيح مسلم – ((أسلم الناس وآمن عمرو))! والإيمان أعظم من الإسلام؛ الإسلام ظاهر.. والإيمان باطن.
ابن عمرو بن العاص كان في المتسابقين فسبق ذلك الشاب ابن الأمير. فلما تجاوزه بفرسه خفقه على رأسه بالسوط وقال: " أتسبقني وأنا ابن الأكرمين " ؟ هذه هي القضية! وهذه هي المظلمة!
تعالوا الآن إلى العراق لتروا الظلم مجسماً.. القتل.. الجثث في الشوارع والطرقات وعلى المزابل تنهشها الكلاب.. الرعب.. الجوع.. المطاردات.. الاعتقالات.. و.. و.. وقيسوا عليه ما يحصل في الأحواز!
يرتحل ذلك الشاب ليمشي شهرا حتى يصل المدينة ليشكو ابن أمير مصر عند أمير المؤمنين! ويقص عليه القصة. فيرسل عمر بن الخطاب والي مصر حتى يأتي إليه ويحاكمه وتنتهي المحاكمة بأن يقضى لذلك الشاب النصراني على ابن الأمير المسلم. ويقول عمر بن الخطاب له: " ضع السوط على رأس ابن الأكرمين ". ثم يقول: "ضع السوط على صلعة أبيه " . وينزع عمرو بن العاص عمامته. قال الشاب: " إنما ضربني ابنه " ؟ قال: " لولا أبوه ما تجرأ عليك ضع السوط على صلعة أبيه "!
وها هي اليوم أفراخ العجم، وأبناء الظلم يتكلمون على عمر رمز العدل!
يومها قال عمر قولته المشهورة: " يا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟! ".
متى استعبدتم الناس - أيها المجوس! - وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟!
أيها الأحرار في الأحواز ! أبشروا ؛ فالنصر قادم بإذن الله ، متى ما عملتم وبذلتم المستطاع. (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).
-----------------------
نقلا عن موقع القادسية
إرسال تعليق