2009/04/23

الخديعة .. درس من التاريخ

جمال سلطان (المصريون) : بتاريخ 22 - 4 - 2009
وبعد أن أوضحنا طبيعة الفتوى المنسوبة إلى الشيخ شلتوت ، والالتباس الذي وقع فيه الشيخ نفسه ، والتناقض بين مواقفه تجاه معطيات المذهب الإثنا عشري نفسه ، نأتي إلى السؤال المنهجي الأساس والمفتتح لأي نقاش في هذا الموضوع ، وهو : هل الشيخ شلتوت شخصية معصومة أو مرجع لا ينطق إلا عن الوحي ، أم أنه عالم يجتهد فيخطئ ويصيب ، فنأخذ من كلامه ونترك ، ولست أظن أحدا من أهل الإسلام ينسب إلى الرجل المعنى الأول ، فلم يبق إلا أنه مجتهد يخطئ ويصيب ، ونأخذ من كلامه ونترك ، وقد تخفى عنه أشياء وتغيب أخرى فتؤثر على حكمه على الأمور ، وقد تضعف خبرته ببعض الشؤون وخلفياتها مما يؤثر على وجهة نظره ، وقد يجهل أشياء أيضا مما يجعله يضع كلمات في الموضع الخطأ ، فإذا كان الأمر كذلك ، فالمنطق والعلم والعقل يقول بأن الكلام المنسوب إلى الشيخ شلتوت حتى بافتراض صحته كفتوى ، فإنها تعرض على الدليل وعلى معطيات الواقع مناط الحكم ، بحيث يستبين صحتها من خطأها ، خاصة إذا كنا نعلم بأن جمهور العلماء من أهل السنة قد ذهب إلى خلاف رأيه ، بل هو إجماع أهل العلم "المؤتمنين" ممن خبروا مذهب التشيع ودرسوه ، ، فلا يوجد عالم مسلم سني له قيمة أو قامة في العلم وخالط قضية التشيع وتحاور مع رجالاتهم واطلع على كتاباتهم الحديثة والقديمة أو رأى ما عليه دولتهم ومجتمعاتهم من فكر وخلق وسلوك تجاه محرمات الإسلام وأصحاب النبي وأمهات المؤمنين وفكرة الوحي والعصمة والمرجعية ، أقول : لا يوجد عالم اطلع على كل ذلك إلا وانقلبت فكرته تماما وأعلن أن فكرة "التقريب" وهم وأكاذيب وتضليل ، حدث ذلك مع الشيخ محمد رشيد رضا ، ومع محب الدين الخطيب ومع الشيخ السبكي ومع الشيخ محمد حسنين مخلوف مفتي مصر الأسبق ومع الدكتور مصطفى السباعي ومع الشيخ عبد المنعم النمر ومع قيادات الإخوان المسلمين في البلاد المتماسة مع المحيط الشيعي والذين هم أخبر بالقوم من بعض الأصوات المصرية ، مثل الشيخ سعيد حوى القيادي الإخواني السوري الكبير الذي كان له رأي فيهم بالغ السوء والشدة ، ومنه قوله ـ رحمه الله ـ "( هؤلاء الخمينيون ظالمون . ومن بعض ظلمهم أنهم يظلمون أبا بكر وعمر ، فكيف يواليهم مسلم والله تعالى يقول : " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون" . إنه لا يواليهم إلا ظالم ، ومن يرض أن يكون ظالماً لأبي بكر وعمر وعثمان وأبي عبيدة وطلحة والزبير ، ومن يرضى أن يكون في الصف المقابل للصحابة وأئمة الاجتهاد من هذه الأمة ؟ ومن يرضى أن يكون أداة بيد الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ؟ ألا يرى الناس أنه مع أن ثلث أهل إيران من السنة لا يوجد وزير سني ؟! ألا يرى الناس ماذا يُفعل بأهل السنة في لبنان سواء في ذلك اللبنانيون أو الفلسطينيون ؟" انتهى نص كلامه ، ولم يكن الفقيد الراحل قد أدرك ما فعلوه بأهل السنة وعلمائهم ودعاتهم ونسائهم وأطفالهم في العراق ، لأنه توفي قبل المحنة الكبيرة ، وكذلك العلامة الكبير الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله وكان من أخير الناس بهم وحاورهم وصادقهم دهرا ، اكتشف الخديعة بذكاء وإلهام وبصيرة نورانية وطرح نفس السؤال الذي نطرحه هنا ، لماذا يروجون للتقريب في بلادنا ولا يفعلونه في بلادهم ، يقول السباعي : (( دعاة التقريب من علماء الشيعة بينما يقيمون لهذه الدعوة الدور وينشئون المجلات بالقاهرة ويستكتبون فريقا من علماء الأزهر لهذه الغاية ، لم نر أثرا لهم في الدعوة لهذا التقارب بين علماء الشيعة في العراق وإيران وغيرهما ، فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير المكذوب لما كان بين الصحابة من خلاف) ولا يخفى ما في كلمات العالم الجليل من غمز لسذاجة بعض المشايخ والكتاب في القاهرة ، ثم يضيف الرجل قوله : ( إن بعضهم يفعل خلاف ما يقول في موضوع التقريب فبينما هو يتحمس في موضوع التقريب بين السنة والشيعة إذا هو يصدر الكتب المليئة بالطعن في حق الصحابة أو بعضهم ممن هم موضع الحب والتقدير من جمهور السنة ) ، وهي نفس الكلمات ـ تقريبا ـ الذي قالها بعده بخمسين عاما العلامة يوسف القرضاوي عندما اكتشف حجم الخداع ، فقال أنهم يخدعوننا بالكلام المعسول والدعوة للوحدة في الغرف المغلقة بينما هم يروجون لمذهبهم ويبثون الفتن في كل مكان من بلاد أهل السنة
إرسال تعليق