2009/03/17

المغرب: التشيع يعود للواجهة ورسائل غاضبة لإيران

الاثنين 19 ربيع الأول 1430 الموافق 16 مارس 2009
الرباط/ إدريس الكنبوري
فتحت الأزمة الديبلوماسية بين المغرب وإيران، في الأسبوع الماضي، مِلَفًّا ظل راقدًا لمدةٍ طويلةٍ ما بين رفوف وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، ووزارة الداخلية، والإدارة العامة للدراسات والمستندات، المكلفة بالاستخبار الخارجي (لادجيد) ، وهو "التشيع" في المغرب.
وإذا كانت وزارة الخارجية هي التي تَصَدَّرَتِ الواجهة في الأزمة الأخيرة بين الرباط وطهران على خلفية قضية البحرين، وتصريحات مسئول إيراني، فإن الكرة دخلت مرمى وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، ثم تدحرجت لتصل إلى شباك ياسين المنصوري؛ لتطرح بكيفية جديدة أسئلةً قديمةً تَهُمُّ الشأن الديني في المملكة، طُرِحَتْ بحدةٍ غداة تفجيرات الدار البيضاء عام 2003، من بوابة التيار السلفي، ثم أُعِيدَ تجديدها هذا العام، من بوابة التيار الشيعي، بالرغم من أن الحالة الشيعية بالمغرب لا ترقى إلى أن تكون تيارًا.
فالأزمة الديبلوماسية الطارئة مع إيران أظهرتْ أن خِطَّةَ إعادة هيكلة الحقل الديني، التي باشَرَتْهَا الدولة عام 2004، لم تأخُذْ بعين الاعتبار جميعَ الْمُعْطَيَاتِ في المشهد الديني بالمغرب، وكان ضروريًّا أن تحدث هذه الأزمة؛ لكي تفكر الدولة بشكل علني في المذهب الشيعي المتواجد في المغرب.
فطيلة الأعوام الماضية غَطَّى ملف "السلفية الجهادية" على باقي العناصر الدينية الأخرى المنتشرةِ في البلاد، وعلى رأسها التَّشَيُّع، فقد حسم المغرب مع ذلك التَّوَجُّهِ بشكلٍ شبهِ نهائي، عبر اتِّبَاع آليَّتَيْنِ متزامِنَتَيْنِ، هما:
الآلية الأمنية، من خلال اعتقال المئات من أتباع التيار، والتي لا زال النقاش حولها مُسْتَمِرًّا، وخاصةً بالنسبة لبعض التجاوزات التي شابَتْ تلك الاعتقالات.
وآلية الضَّبْطِ، من خلال إعادة التركيز مُجَدَّدًا على المذهب المالكي والتصوف السني، مُمَثَّلًا في تصوف الجُنَيْدِ والعقيدة الأشعرية، بينما بقي المذهب الشيعي غيرَ مطروحٍ، بسبب الاهتمام الكبير الذي مُنِحَ للتيار السلفي، واعتباره الخطرَ الأكبرَ في هذه المرحلة.
وربما يبدو أن الدولة فكَّرَتْ مرتين قبل أن تطرح قضية التشيع في المغرب بشكل علني وصريح، ففَكُّ الارتباط مع التيار السلفي لم يكن مُكَلِّفًا من حيث الثمن؛ بل كان مُيَسَّرًا، دون أنْ يُخَلِّفَ اصطداما بين بلدين على المستوى الديبلوماسي، بينما المذهب الشيعي هو المذهب الرسمي للدولة في إيران، ويلقى رعايةً على أعلى مستويات الدولة في الداخل والخارج، لذا فإن أي مواجهة مع التشيع بالمغرب قد تقود، ربما بطريقة آلية، إلى المواجهة الديبلوماسية مع إيران.
وما قد يجعل الصعوبةَ أكبرَ أنّ إيران ظلَّتْ تعتبر المغرب دائمًا "ساحة خلفية" لتصدير المذهب الشيعي، ذلك أنّ استراتيجية إيران في المشرق تَجِدُ لها سُبُلًا مُمَهَّدَةً، بسبب الامتدادات الشيعية في بلدان الجوار، بينما يتعَذَّرُ ذلك في المغرب العربي؛ حيث يُعْتَبَرُ المغربُ البلدَ الوحيدَ في المنطقة الذي يعتقد الإيرانيون أنه يمكن أن يكون مسرحًا لنشر التشيع، بسبب تاريخه، وطبيعة ثقافته الدينية، التي ترتبط بحب آل البيت لدى المغاربة؛ إذ يعتقد شيعة إيران أنّ المغرب "بلدٌ شيعِيٌّ في عَبَاءَةٍ سُنِّيَّة"، فالمذهب السني المالكي تطَوَّرَ داخل ثقافةٍ تُمَجِّدُ آل البيت، وتحتفي بمقتل الحسين، من خلال عاشوراء ورمزية الماء، الذي يشير إلى ذكرى مقتل الحسين بجانب نهر الفرات، وانتشار ثقافة جلد الذات لدى بعض الطُّرُق والزوايا الصوفية، التي تُعْتَبَرُ، من وجهة نظرهم، مطابقةً لثقافة "اللَّطْم، والتَّطْبِير، والنياحة"، واحتفالات الحسينيات لدى الشِّيعة.
رسائل سياسية إلى إيران وفي هذا الإطار تزامَنَ إحياء ذكرى المولد النبوي في المغرب مع قطع العلاقات الديبلوماسية بين المغرب وإيران، وهو الأمر الذي استدعى أنْ تُرَكِّزَ كلمة وزير الأوقاف أحمد التوفيق أمام الملك، خلال تَرَؤُّسِه لحفل ديني بالعاصمة، على التذكير ببديهيات خطة الدولة، التي دخلت فيها منذ أربع سنوات، مُذَكِّرًا في نفس الوقت على الثوابت الدينية التي ظلت المملكة تعتمد عليها في تدبير مجالها الديني، حيث أوضح بأن التاريخ في المغرب يشهد بأن المملكة المغربية لم تترك في يوم من الأيام الشأن الديني "لأيِّ عابثٍ في الداخل، أو أيِّ مُتَرَبِّصٍ من الخارج"، ولذلك جاء التنظيم الهيكلي المؤسساتي الحالي للعلماء، مَبْنِيًّا على نفس المحتوى الرمزي، والشروط الاعتبارية لمشيخة العلماء، وجاءت كلمة "الخارج" لكي لا يُخْطِئَ المراقبون؛ ماذا تعني في هذا التوقيت بالذات.
فبيان وزارة الخارجية المغربية حول قطع العلاقات الديبلوماسية مع طهران، لم يَتَرَدَّدْ في توجيه أصبع الاتهام مباشرةً إلى السلطات الإيرانية، وبعثتها الديبلوماسية بالرباط، بـ"الإساءة للمُقَوِّمَاتِ الدينية الجوهرية للمملكة، والْمَسّ بالهوية الراسخة للشعب المغربي، ووَحْدَةِ عقيدته ومذهبه السُّنِّي المالكي".
وأبرز التوفيق أنّ مشيخة علماء المغرب، المتمثلةَ اليومَ في المجالس العلمية مشيخةٌ ذاتُ مجدٍ عريقٍ في النضال عبر القرون، وذلك "بفضل التزامها وتلاحُمِهَا مع إمارة المؤمنين تَلَاحُمًا تحققَّتْ به خصوصية المغرب، وهي أمانةُ الحِرْصِ على البلد الخالِصِ لمذهب السُّنَّةِ والجماعة المتمسكِ دون أي خلط أو شائبة بالمذهب المالكي داخل مذهب السنة والجماعة.
إنه انتماءٌ راسِخٌ ازدانت المشاعر بالالتزام به، والنضال من أجل صيانته عبر القرون، بهذا الحبِّ الشريف الذي يُعَبِّرُ عنه المغاربة لِبَيْتِكُمُ الطاهِرِ، بيت آل النبي الكريم".
كما أكَّدَ على أن العلماء يشتغلون "لأداء أمانتهم، وهم مُدْرِكُون أنهم ينْخَرِطُون في نموذجٍ مُتَأَصِّلٍ، تنزل إلينا التوافُقُ حوله من أعماق التاريخ، وصدَّقَتْ نجاعَتَه مقتضياتُ الاختصاص بعصرنا هذا. نَمُوذجٌ مَبْنِيٌّ على أن الدين تحميهِ الأُمَّةُ كُلُّهَا، مُتَمَثِّلَةً في أمير المؤمنين، تحميه من الجمود الْمُفْضِي إلى التطرف، كما تحميه من الجحود الْمُفْضِي إلى التَّحَلُّل من القيم التي انْبَنَتْ عليها حياة الأمة، ويحميها الدستور". التَّشَيُّع يعود للواجهة والملحوظ أنه طوال السنوات الماضية التي تلتْ تفجيرات الدار البيضاء في 16 مايو 2003، ظلَّتِ الدولة تُرَكِّزُ في جميع الاعتقالات، التي طالتْ عشرات الخلايا المتهمة بالإرهاب، ومئات الأشخاص، على التيار السلفي الجهادي، ولم يتِمَّ الحديث في أي مَرَّةٍ عن التشيع.
ولم ينطلق الحديث عن التشيع في المغرب، في ضوء سياسةِ محاربة الإرهاب، إلا مع الاعتقالات التي طالتْ جماعة"أنصار المهدي" في صيف عام 2006، بزعامة حسن الخَطَّاب؛ حيث أُثِيرَ موضوع الشيعة في المغرب، على خلفية تسميةِ تلك المجموعة التي تُحِيلُ على الشيعة؛ لأن فكرة المهدي المنتظر تُشَكِّلُ فكرةً مركزيةً في العقيدة الشيعية.
وما أثار الحديثَ عن التشيع في تلك الفترة هو تزامُنُ اعتقالِ الخلية مع حرب لبنان بين حزب الله وإسرائيل، التي استمرتْ 34 يومًا، وقد سارع وزير الداخلية شكيب بن موسى إلى نَفْيِ أي علاقة لأفراد المجموعة المعتقلة، التي تتشَكَّلُ من جنودٍ يعملون في القاعدة العسكرية بـ سلا ، وأشخاص سلفيين، بعضهم سبَقَ اعتقاله إِثْرَ تفجيرات 16 مايو، بالتَشَيُّع، أو بأي تَوَجُّهٍ شيعي في المغرب.
وفي فبراير 2008، بعد اعتقال خلية عبد القادر بلعيرج، والمعتقلين السياسيين الستة المنتمين إلى حزبي"البديل الحضاري"، و"الحركة من أجل الأمة"، اللَّذَيْن تم حظرهما لاحقًا، عاد الحديث مُجَدَّدًا عن التشيع في المغرب، خاصةً وأن تلك الاعتقالات شَمِلَتْ مراسل قناة"المنار" التابعة لحزب الله؛ عبد الحفيظ السريتي، مما دفع إلى طرح تساؤلاتٍ حول احتمال وجود أجندة إيرانية خَفِيَّةٍ بالمغرب، وذلك في ضوء الحديث عن أن بلعيرج؛ أبرزَ وجوه الخلية، سَبَقَ له أن بعثَ بأشخاصٍ لتلقي تدريباتٍ ميدانيةٍ مع حزب الله في لبنان.
وقد تزامَنَتْ تلك الاعتقالات مع تطورات سياسيةٍ شهدتها لبنان وحزب الله، ومعلوماتٍ عن توَجُّه ستةِ شبان مغاربة إلى إيران، في نهاية عام 2007، للدراسة في الحوزة العلمية بمدينة (قُمّ) الإيرانية، بعد اعتناقهم للمذهب الشيعي، وهي معلوماتٌ لم يتمَّ نَفْيُهَا أو تأكيدُهَا رَسْمِيًّا
المصدر : الإسلام اليوم
إرسال تعليق