2010/05/04

الكويت ومخططات الشر الإيرانية… تاريخ حافل

السياسة الكويتية

بقلم : داود البصري

لا يخفى على حصيف أو أي مطلع على شؤون دول الخليج العربي بأن لدولة الكويت أهمية استثنائية في التفكير و التخطيط التبشيري الاستراتيجي الإيراني منذ الأيام الأولى للثورة الإيرانية العام 1979 وهيمنة التيار الديني الطائفي المتشدد على دفة الأمور في طهران , فطبيعة الفكر الآيديولوجي للثورة الإيرانية هي طبيعة تبشيرية مباشرة تصب باتجاه تكوين الأنصار و المحازبين و الخلايا و التمهيد لأحوال انقلاب فكرية و عقائدية وصولا لتحقيق الهدف الأكبر و المعروف , كما ان الهدف النهائي و الحاسم للمجموعة الحاكمة في طهران هو السيطرة على مقاليد الأمور في دول الخليج العربي تمهيدا لإخضاعها بالكامل ليس للنفوذ السياسي المباشر فقط بل حتى للولاء الديني و المرجعي وهو الملف الذي اشتغل عليه الإيرانيون بدءا من العراق وحيث البيئة و الوسط المناسب بالكامل لتنفيذ الطروحات و الأجندة الإيرانية من خلال الأحزاب التابعة و الموالية للفكر الإيراني المذهبي و السياسي من أمثال حزب الدعوة أو جماعة العلماء المجاهدين أو منظمة العمل الإسلامي أو جند الإمام أو غيرها من التفرعات و الأسماء و الجماعات التي نبتت فيما بعد و تصب جميعها في خدمة المشروع الإيراني العام و الذي هو مشروع تبشيري عقائدي ضخم للغاية و ليس مجرد ( كلام فاضي ) أو جعجعة في الهواء , و أعتقد أن أحداث الثمانينيات من القرن الماضي ستعطي القارئ الذي لم يعش أحداث تلك الفترة و تحولاتها و صدماتها و مآسيها صورة عامة لطبيعة ذلك المشروع الذي كان سببا مباشرا من أسباب التوتر الإقليمي و العسكري في الخليج العربي و الشرق الأوسط حيث شهدت المنطقة أشنع حرب إقليمية مدمرة تمثلت في الحرب العراقية الإيرانية ( 1980/1988) و التي وجدت دول الخليج نفسها فيها بين المطرقة و السندان , فهذه الدول الصغيرة لا ترغب في التوتر و لا في الحروب المدمرة و لكنها وجدت نفسها على غير رغبة منها واقعة في وسط نيران إقليمية و دولية تهدف لتصفية الحسابات العاجلة و لتسوية ملفات و أجندات كان يراد لها أن تسوى و تطوى بطريقة أو بأخرى , لقد وجد النظام الثوري الجديد و المتحمس وقتها في إيران أن الساحة الخليجية مهيأة بالكامل لتقبل المشروع الإيراني اعتمادا على حجم و شكل الصورة المذهبية السائدة و مساحات التسامح و الديمقراطية و الانفتاح الواسعة نسبيا في الساحة الخليجية , فبدأ مشروع تصدير الثورة الإسلامية العالمية عبر بناء الخلايا و الكوادر الشبابية المتعاطفة و المؤمنة بما حدث في إيران واستثمار تلكم الطاقات الشبابية المتحمسة في تنفيذ أغراض الدولة الإيرانية و أهدافها , و كانت دولة الكويت بطبيعتها المتسامحة و بتحرر و ثقافة شبابها في تلكم الأيام هي المركز الأول و المفضل للدعاية الإيرانية و بسبب القرب الجغرافي من العراق أيضا حيث يكمن هناك الثقل الحقيقي لأصحاب المشروع الإيراني التوسعي , وشهدت تلك الفترة منذ بداية الثمانينيات وحتى نهايتها النشاط الحقيقي لبناء الخلايا السرية المرتبطة بالولاء الحقيقي و الشرعي لسلطة الولي الإيراني الفقيه و كان وقتها المرحوم آية الله الخميني بشخصيته الكارزمية المعروفة و بالهالة الإعلامية الكبرى التي أحاطت به , و كان ذلك المشروع ينمو باضطراد و فاعلية واضحة و تميز في بعض حلقاته بنشاطات مسلحة تمت فيها المواجهة العسكرية في شوارع الكويت مع بعض من أعضاء تلكم المجاميع المرتبطة بالمشروع الإيراني الهادف لتغيير نظام الحكم في دولة الكويت و إلحاق الكويت تحت ظل الهيمنة الإيرانية!! ( وطبعا ذلك ليس كلام فاضي أبدا )! , و الدليل هو المواجهات العسكرية و الأمنية التي حدثت بين الأمن الكويتي و أتباع النظام الإيراني من الكويتيين في يوم 15/7/ 1987 أمام مجمع الصالحية التجاري في قلب العاصمة الكويتية و كذلك المواجهات الأمنية التي تكررت يوم 19/5/1988 بالقرب من مبنى الخطوط الجوية الكويتية في شارع الشهداء حاليا و التي سقط فيها عدد من الضحايا لا أرى داعيا لذكر أسمائهم وأرشيف التاريخ يحتفظ بكل شيء , وطبعا تلك المواجهات مع تلك الخلايا جاءت بعد سنوات طويلة من التوتر الأمني الذي بدأ في بداية عقد الثمانينيات مع تفجير المقاهي الشعبية على شاطئ الخليج العربي في السالمية و كذلك بعد المواجهات مع الأحزاب و الجماعات الدينية العراقية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في الأحواز و اهمها حملة الانفجارات الكبرى في السفارتين الأميركية القديمة في بنيد القار و الفرنسية و بعض المؤسسات الكويتية في يوم 12/12/1983 و التي جاءت بعد الانفجارات الكبرى التي عمت لبنان العام 1981 ثم أتبع ذلك سيناريو المحاولة الإجرامية الفاشلة لاغتيال أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح رحمه الله في 25 مايو 1985 و حيث اشتد أوار المواجهة الأمنية مع أهل المشروع الإيراني الذي لم تمنعه أوضاع الحرب مع العراق من استثمار مختلف الفرص لتنفيذ مخططاته من خلال سلسلة عملائه في الداخل سواء كانوا من الكويتيين أو العراقيين أو الجنسيات الأخرى ( ولم يكن ذلك كلام فاضي أبدا )!, و كان التطور الأكبر في استثمار الحلقات السرية الكويتية قد جاءت مع الأحداث الدموية المريعة الكبرى التي شهدها الحرم المكي في موسم الحج في يوم 21/9/1989 حيث اندلعت المواجهات التي أشعلها حجاج الحرس الثوري الإيراني و التي ذهب ضحيتها المئات من الحجاج و التي تورط فيها أيضا عدد مهم من الشباب الكويتي لا أرى داعيا لذكر أسمائهم لأنها معروفة جدا و بعضها وصل للبرلمان (مجلس الأمة ) الكويتي فيما بعد وقد توفي فيها أيضا عدد من الشباب الكويتي كما صدر أحكام بالإعدام ضد بعضهم و بالسجن الطويل و حيث تدخلت يد السلطة الكويتية الحانية و الرقيقة على شعبها لإطفاء الموضوع و تسوية القضية بأقل الخسائر الممكنة وخصوصا الدور الإنساني الكبير الذي لعبه سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الذي كان وقتذاك وزيرا للخارجية ( ولم يكن ذلك أيضا كلام فاضي )!, وحتى محطة الغزو العراقي للكويت في العام 1990 كانت هنالك محطات توتر أمنية هائلة تغيرت أساليبها بعد الغزو بعد أن تحور المشروع الإيراني ليلائم الأوضاع المستجدة و التي تتطلب مهارات تكتيكية مهمة في إدارة ملفات الصراع الإقليمي.

المهم إن تاريخ الصراع الحديث مع المشاريع التبشيرية الإيرانية الهادفة لتغيير الأنظمة في الكويت ودول الخليج العربي هو تاريخ حافل و موثق بشواهد وأدلة مادية لا تقبل النقض وليست مجرد ( كلام فاضي ) وهو ما سنعود إليه تباعا لأن التاريخ لا يجامل أحدا و احداثه الجسام التي عشناها هي الحد بين الجد و الهزل.. و الكلام الفاضي!

حجم الدور التآمري الإيراني على الأمن الإقليمي أكبر من كل ما هو متصور ولكن المشكلة في العالم العربي عموما هي أنه لا أحد يتعظ أو يتعلم من التاريخ… و كما قال سيدنا و إمام المتقين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه الكريم:

ما أكثر العبر و أقل الاعتبار…..

فعلينا أن نلحق نفسنا قبل أن يضحك علينا التاريخ و تنبذنا السياسة ونتحول كشعوب مجرد ( كلام فاضي )!.. و اللهِ حالة……

إرسال تعليق